وقال رحمه الله:"ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب إذا كانت عن غير بصيرة من المجادل , أو بغير قاعدة مرضية , وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن ؛ بحسن خلق ولطف ولين كلام , ودعوة إلى الحق وتحسينه , ورد الباطل وتهجينه بأقرب طريق موصل لذلك , وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق" (1) .
فيتبين بذلك أن الجدل الشرعي هو غير مطلق الجدل أو الجدل المحض السائد في الحدود الاصطلاحية للجدل والتي أوردنا طرفًا منها آنفًا , قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ولهذا ذم السلف أهل الكلام , وكذلك الجدل إذا لم يكن الكلام بحجة صحيحة لم يك إلا جدلا محضًا" (2) .
والجدل الشرعي بمعنى المناظرة التي يقصد منها إظهار الصواب في كلام المختلفين . (3)
وقد نص بعض العلماء على أن الجدل بالتي هي أحسن هو المناظرة. (4)
ولعل هذا يفسر استخدام البعض للفظة الجدل بأنها مرادفة للمناظرة أو أنها بمعنى المناظرة . (5)
ومما تجدر الإشارة إليه أن الجدل هو أحد أشكال الحوار الذي يعني تردد الكلام ومراجعته بين طرفين أو أكثر دون أن يكون بالضرورة خلاف بينهما .
فإذا كان خلاف وقصد إظهار الحق بين الطرفين المختلفين فهي المناظرة والجدل الشرعي .
(1) المرجع السابق 632.
(2) منهاج السنة النبوية 3/ 58.
(3) أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام , رسالة دكتوراه غير منشورة , ص 7 وفيها تفصيل ونقولات ومقارنات حول تعريف المناظرة .
(4) انظر التقريب لحد المنطق لابن حزم ص 186 وضوابط المعرفة للميداني ص 371 وانظر استخدام جمع من المفسرين لكمة مناظرة مقابل الجدل وعبارة ناظرهم مقابل جادلهم عند تفسيرهم لقوله تعالى ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) في أسلوب المناظرة في دعوة النصارى إلى الإسلام ص 55 .
(5) انظر الكافية في الجدل للجويني ص 4 , والمعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي ص 7 .