وقد تحدث العلماء عن موقف الناس من الحق بأنهم ثلاثة أصناف: قابل وغافل ومعاند وذلك في معرض تفسيرهم لقول الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (1) .
وأفضل من فصل في هذه المسألة - فيما اطلعت عليه - شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله , يقول في ذلك:
"الناس ثلاثة أقسام:"
إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة.
وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به فهذا يوعظ حتى يعمل .
وإما أن لا يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب , فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل" (2) ."
ويقول رحمه الله:
"فالآيات لمن إذا عرف الحق عمل به فهذا تنفعه الحكمة ."
و الإنذار لمن يعرف الحق، و له هوى يصده فينذر بالعذاب الذي يدعوه إلى مخالفة هواه وهو خوف العذاب و هذا هو الذي يحتاج إلى الموعظة الحسنة .
و آخر لا يقبل الحق فيحتاج إلى الجدل فيجادل بالتي هي أحسن" (3) ."
ويقول في موضع آخر:
"الإنسان له ثلاثة أحوال:"
إما أن يعرف الحق ويعمل به .
وإما أن يعرفه ولا يعمل به .
وإما أن يجحده .
فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به .
والثاني أن يعرفه لكن نفسه تخالفه فلا توافقه على العمل به .
والثالث من لا يعرفه بل يعارضه .
فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فإن الحكمة هي العلم بالحق والعمل به ، فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيدعون بالحكمة .
والثاني من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة .
فهاتان هما الطريقان الحكمة والموعظة وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا فإن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته , فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة وإلى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا .
(1) سورة النحل الآية 125.
(2) مجموع الفتاوى 2 / 45.
(3) مجموع الفتاوى 16 / 585.