وأما الجدل فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن ولهذا قال ( وجادلهم ) فجعله فعلا مأمورًا به مع قوله ادعهم فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن .
وقال في الجدال: ( بالتي هي أحسن ) ولم يقل: بالحسنة، كما قال في الموعظة،لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة , والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل .
فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أو لهما جميعًا لم يحتج إلى مجادلة فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن" (1) ."
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"قال تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (2) فذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو:"
فإنه إما أن يكون طالبًا للحق راغبًا فيه محبًا له مؤثرًا له على غيره إذا عرفه فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال .
وإما أن يكون معرضًا مشتغلا بضد الحق ولكن لو عرفه عرفه وآثره واتبعه فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب .
وإما أن يكون معاندًا معارضًا فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع إلى الحق وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن" (3) ."
وكلامهما رحمهما الله متفق في أن المدعوين تتنوع أساليب دعوتهم , وكلها يحتاج إليها بحسب موقفهم من الحق الذي يدعون إليه .
ثانيًا: الأهمية باعتبار أثرها في إظهار الحق وقطع الباطل:
لا شك أن الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى من يسنده ويظهره في مواجهة المبطلين والمخالفين , والقيام بذلك من لوازم الإيمان ومقتضياته .
(1) الرد على المنطقيين 1 / 468.
(2) سورة النحل الآية 125.
(3) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة 4 / 1276.