ومضى يرد تفسير هذه المرتبة بوجوه البديع التي عدها ابن المعتز وقدامة وابو احمد العسكري وغيرهم ، كما رد تفسيرها بوجوه البلاغة التي ذكرها الرماني ، الا ان يلاحظ في في ذلك كله النظم وروعة التأليف . فالمدار قبل كل شيء على الصياغة والنظم . ولعلنا لانبعد - وما زال الكلام للدكتور ضيف - اذا قلنا انه اول من هجم بقوة نظرية اعجاز القرآنعن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع ، وأيضًا وجوه البلاغة التي احصاها الرماني . ومن هنا تأتي اهميته اذا اعد للبحث عن اسرار في نظم القرآن من شأنها حين توضح توضيحًا دقيقًا أن تقف الناس على اعجازه . وان كنا نلاحظ - في الوقت نفسه - انه لم يستطع ان يصور شيئًا من هذه الاسرار ، اذ ظلت الفكر عند غامضه ، وظلت مستورة في ضباب كثبف (150) .
ومهما يكن من امر ، فإن الكتاب يدخل ، بلاشك ، في دائرةالدرس البلاغي ومن الطبيعي الا يتناول بحثًا هنا جوانب بحث الباقلاني في قضية الاعجاز القرآني الا بالقدر الذي يتصل بغرضنا من الحديث بالدرس البلاغي في كتاب الباقلاني هذا .
وقد عقد في الكتاب فصلين اسمى الاول ، كما مر ، ( في ذكر البديع من الكلام ) (151) واسمى الثاني ( في وصف وجوه البلاغة من الكلام ) (152) كما وقف عند فنون في غير هذين الفصلين من الكتاب .
ومفهوم البديع عنده يشمل جميع الخصائص اللغوية والصور الفنية التي اطلق عليها المتأخرون مصطلح ( بلاغة ) . وهو في ذلك يجري ما جرى عليه العلماء على عهده من اطلاق هذه الكلمةعلى فنون ( علم البلاغة ) التي تقسمت ، بعدئذ ، على علوم المعاني والبيان ، والبديع ،
(150) البلاغة تطور وتاريخ: ص 114 .
(151) اعجاز القرآن: ص 66 وما بعدها .
(152) نفسه: ص 262 وما بعدها .
الدرس البلاغي في البصرة ـ 44 ـ
بالاضافة الى الاستعمالات الحقيقية التي وردت في القرآن الكريم على اصل وضع اللغة .