قال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ
السَّبِيلِ [ القصص: 22 ] .
وهناك في مدين ورد على بئر ماء يستقى منه الرعاة ، ووجد جماعة من الناس عليه ، ثم نظر في ذلك امرأتين منعزلتين تمنعنان غنمهما عن مخالطة غنم الناس ، فلما رآهما موسى عليه السلام ، رقَّ لحالهما ورحمهما وقال: ما خطبكما ؟! قالتا لا نشرع في سقي الغنم حتى ينتهي هؤلاء الناس ، وليس عندنا من رجل ، وأبونا شيخ كبير لا يستطيع العمل .
قال تعالى: { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } [ القصص: 1 ] .
وفي مصنف ابن أبي شيبة: أن البئر كان عليه صخرة كبيرة لا يحملها إلا عشرة من الرجال ، فجاء موسى فرفعها وسقى لهما .
ثم لما فرغ سرحهما ، وجلس تحت ظل شجرة ، وهو فقير كسير ، ليس له طعام إلا ورق الشجرة ، وقد قدمنا أنه جاء مسافرًا على قدميه ، وقد جهُد وأُنهكت قواه وهناك دعا الله تعالى { فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } [ القصص: 24 ] .
بعد ذلك: عادت المرأتان إلى أبيهما في وقت مبكر على خلاف العادة ، فسألهما الأب ، فأخبرتاه الخبر .
وإن رجلًا صالحًا ، أحسن إليهما ، وسقى لهما مع الناس ، وآواهما وسرح غنمهما ، فبعث إحدى المرأتين لدعوته .
وتأمل الأخلاق النبيلة ، تجذب اهتمام الناس ، والناس معادن ، وأحب والد الفتاتين أن يتعرف حال هذا المحسن إلى بناته .