هذا الإسرائيلي يتنازع مع رجل آخر فلما رآه موسى قال له إنك لغوي مبين ، أي كثير الغواية ، ثم عزم موسى على صد الفرعوني ودفعه فظن الإسرائيلي لضعفه وخوره أن موسى يريده ، لا سيما وقد قال له وأنه { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } .
فقال الإسرائيلي: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس ، وكان قول الإسرائيلي لموسى { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ } [ القصص: 19 ] .
فأخذها الفرعوني ، ونشرها بين الناس ، وأوصلها إلى فرعون وملئه ، فاشتد حنق فرعون ، وبحث عن موسى ليبطش به . خاف موسى ورُعب مما حصل .
وجاءه رجل من أقصى المدينة يسعى ، يخبره أن الملأ يريدون قتلك فاخرج إني لك من الناصحين . قال تعالى: { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ } [ القصص: 20 ] .
{ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [ القصص: 21 ] ، أي خرج من مصر خائفًا يتلفت ، يحذر بطش فرعون ودولته ، ودعا الله أن ينجيه من الظالمين وكيدهم ، فقيل إن الله بعث إليه ملكًا على فرس فأرشده إلى الطريق.
خرج من مصر خائفًا ، ومسرعًا أن يصل إليه الأعادي ، وسار يسير بمفرده ليس له راع ، ولا مؤنس إلا الله تعالى ، حتى حطت به الأقدار في بلاد تسمى (مدين) بالشام تلقاء غزة .
وهي غير المدائن التي قرب بغداد ، وكانت تحت كسرى إلى أن جاء الفتح الإسلامي .
ويُقال إنه وصل إليها بعد ثماني ليال من المشي والتعب ، وقد مشى حافيًا ، جائعًا حتى بان عليه الرهق والهزال .