وقال لهم: إن الله أرسلني هداية لكم ، ورحمة بكم لأدلكم عليه وأرشدكم إليه .
فدُهش القوم من كلامه حيث سمعوا كلامًا لم يألفوه ، كبُر عليهم أن يروا واحدًا منهم ينصب نفسه نبيًا عليهم .
فقالوا: ما هذا القول الذي تهذر به والبهتان الذي تدعو إليه ، هذه آلهة عبدها آباؤنا من قبل ونعبدها نحن اليوم .
ثم عاد يونس عليه السلام بالتذكير والنصح مرة أخرى محاولًا بإقناعهم بأن هذا هو الدين الحق .
وقال لهم: ما لكم تُعرضون عن هذا الدين الذي أدعوكم إليه ، وهو يأمركم بما فيه صلاح أموركم ، واستقامة أحوالكم ، وتقويم جماعتكم .
إنه يأمر بالمعروف ، وينهي عن المنكر ، ويبغضكم في الظلم ، ويحبب إليكم العدل .
فكيف كان جواب قومه له ، وبماذا ردوا ؟
أجابوه بجواب الجاهلية ، وبحجة المتعنتين { مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا }
[ الشعراء: 186 ] .
فقال: يا قوم لقد دعوتكم بالهوادة واللين وجادلتكم بالتي هي أحسن ، فإن أمنتم فهذا الخير الذي أرجوه .
وإن أبيتم ، فإني أنذركم عذابًا واقعًا وبلاء نازلًا ، ترون طلائعه ، وتقدم إليكم دلائله .
ثم ردوا عليه بعد هذا الوعيد: ( يا يونس ، ما نحن بمستيقنين لك ، ولا خائفين من وعيدك ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) .
لم يُطق يونس بعد ذلك صبرا ، بل ضاق بهم ذرعًا فرحل عنهم مغاضبًا لهم ، يائسًا من إيمانهم ، كما قال تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } [ الأنبياء: 87 ] .
ولم يكن يبعد يونس قليلًا عن نينوي ، حتى وافت أهلها نذرُ العذاب ، واقتربت منهم طلائع الهلاك:
اغبر الجو حولهم .
تغيرت ألوانهم .
وتشوهت وجوههم ، ونتج عن ذلك قلق ألمَّ بهم ، وخوف داخلهم .
فعلموا عندئذ أن دعوة يونس دعوة حق ، نذارته صدق ، وأن العذاب واقع لا محالة وأنه سيصيبهم ما سمعوه عن عاد وثمود وقوم نوح .