الصفحة 49 من 161

وقال لهم: إن الله أرسلني هداية لكم ، ورحمة بكم لأدلكم عليه وأرشدكم إليه .

فدُهش القوم من كلامه حيث سمعوا كلامًا لم يألفوه ، كبُر عليهم أن يروا واحدًا منهم ينصب نفسه نبيًا عليهم .

فقالوا: ما هذا القول الذي تهذر به والبهتان الذي تدعو إليه ، هذه آلهة عبدها آباؤنا من قبل ونعبدها نحن اليوم .

ثم عاد يونس عليه السلام بالتذكير والنصح مرة أخرى محاولًا بإقناعهم بأن هذا هو الدين الحق .

وقال لهم: ما لكم تُعرضون عن هذا الدين الذي أدعوكم إليه ، وهو يأمركم بما فيه صلاح أموركم ، واستقامة أحوالكم ، وتقويم جماعتكم .

إنه يأمر بالمعروف ، وينهي عن المنكر ، ويبغضكم في الظلم ، ويحبب إليكم العدل .

فكيف كان جواب قومه له ، وبماذا ردوا ؟

أجابوه بجواب الجاهلية ، وبحجة المتعنتين { مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا }

[ الشعراء: 186 ] .

فقال: يا قوم لقد دعوتكم بالهوادة واللين وجادلتكم بالتي هي أحسن ، فإن أمنتم فهذا الخير الذي أرجوه .

وإن أبيتم ، فإني أنذركم عذابًا واقعًا وبلاء نازلًا ، ترون طلائعه ، وتقدم إليكم دلائله .

ثم ردوا عليه بعد هذا الوعيد: ( يا يونس ، ما نحن بمستيقنين لك ، ولا خائفين من وعيدك ، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) .

لم يُطق يونس بعد ذلك صبرا ، بل ضاق بهم ذرعًا فرحل عنهم مغاضبًا لهم ، يائسًا من إيمانهم ، كما قال تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } [ الأنبياء: 87 ] .

ولم يكن يبعد يونس قليلًا عن نينوي ، حتى وافت أهلها نذرُ العذاب ، واقتربت منهم طلائع الهلاك:

اغبر الجو حولهم .

تغيرت ألوانهم .

وتشوهت وجوههم ، ونتج عن ذلك قلق ألمَّ بهم ، وخوف داخلهم .

فعلموا عندئذ أن دعوة يونس دعوة حق ، نذارته صدق ، وأن العذاب واقع لا محالة وأنه سيصيبهم ما سمعوه عن عاد وثمود وقوم نوح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت