الصفحة 50 من 161

وأثناء ذلك ، وقع في نفوسهم أن يلجأوا إلى إله يونس ، فيؤمنوا ، ويعلنوا توبتهم واستغفارهم .

وبالفعل خرجوا إلى شغاف الجبال ، ووصلوا الصحراء ، شاكين متضرعين وفرقوا بين الأمهات وأطفالها ، والإبل وفُصلانَها وأولادها ، والغنم وحُملانها ثم

أعول ، فصاحت الأمهات ، ورغَت الإبل ، وخارت البقر ، وثغت الغنم ، وكانت ساعة عظيمة ، بسط الله عليهم رحمته ، ورفع عنهم نقمته ، وقبل الله توبتهم ، إذ كانوا مخلصين في توبتهم ، صادقين في إيمانهم .

وتمنوا بعد ذلك لو يعود يونس ، ليعيش بينهم رسولًا ونبيًا ، ومعلمًا وإماما .

قال تعالى مشيرًا إلى حال قوم يونس: { فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } [ يونس: 98 ] .

رفع الله عنهم العذاب بسبب إيمانهم وتوبتهم ، فلم توجد قرية آمنت كلها بنبيهم ، وأيضًا رأت علامات العذاب ، ثم تابت وأنابت إلا قوم يونس .

أما يونس لما انتهى إلى البحر ، وجد أناسًا مسافرين فسألهم أن يركبوه ففعلوا وأنزلوه منزلًا كريما ، ومقامًا عزيزا ، لما لاحظوا عليه آثار التقوى والصلاح .

ولكنهم ما ابتعدوا عن الشاطئ ، وجاوزوا البر ، حتى هاجت الأمواج ، وتوقع الركاب سوى المصير ، وأحسوا بالهلكة .

ثم تشاوروا ، فاصطلحوا على أن يخففوا من المتاع . وقالوا: لعل منكم من أساء ، فاستهموا ، فوقعت القرعة على يونس ، ثم أعادوها .

فعلم يونس أن وراء ذلك سرًا ، وأن لله في ذلك تدبيرا ، وأدرك أنه أخطأ حيث رحل عن قومه قبل الإذن بالهجرة ، أو يستخير الله في الرحيل ، فألقى بنفسه في البحر وأسلم نفسه للأمواج ، يتقلب فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت