والضعف والخور والجبن إلى غير ذلك، فيأبون من تسليم هذا الظالم للمظلوم فتضيع الحقوق بذلك (وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ سَبَبَ حُرُوبٍ مِنْ حُرُوبِ الْأَعْرَابِ كَحَرْبِ الْبَسُوسِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَتَغْلِبَ إلَى نَحْوِ هَذَا، وَكَذَا سَبَبُ دُخُولِ التُّرْكِ الْمَغُولِ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى مُلُوكِ مَا وَرَاءِ النَّهَرِ وَخُرَاسَانَ، كَانَ سَبَبُهُ نَحْوَ هَذَا.)
قلنا دائمًا أن شيخ الإسلام بعدما يقرِّر المسائل الشَّرعية يربطها بالله - عز وجل -، وبأمور الدِّين والآخرة. فقال هنا: (وَمَنْ أَذَلَّ نَفْسَهُ لِلَّهِ فَقَدْ أَعَزَّهَا) يعني كلما ازداد الإنسان ذلًا لله - عز وجل -، ازداد عزة بين الخلق، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ» [1] (وَمَنْ بَذَلَ الْحَقَّ مِنْ نَفْسِهِ فَقَدْ أَكْرَمَ نَفْسَهُ) يعني إذا أعطى الإنسان الحقَّ من نفسه يعني قدَّم نفسه ليُنتصف منه أو قدَّمها بطيب من نفسه من غير إجبار ولا قهر ولا إكراه فقد أكرم نفسه، لأنَّ أعظم الإكرام أن يقدِّم الإنسان نفسه للحقِّ (فَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ، وَمَنْ اعْتَزَّ بِالظُّلْمِ مِنْ مَنْعِ الْحَقِّ، وَفِعْلِ الْإِثْمِ، فَقَدْ أَذَلَّ نَفْسَهُ وَأَهَانَهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر:10] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8] ) انظر ما قال الله - عز وجل - والله هو الأعزُّ ورسوله والمؤمنون، بل قال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ، لأنَّ الآية لو قال والله هو الأعزُّ .. ، يعني المنافقين عندهم عزَّة ولكنَّ العزَّة الأكبر إنَّما هي لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن قال الله - عز وجل: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} وقدَّم الجار والمجرور التي
(1) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: أبو نعيم في الحلية (8/ 46) ] صححه الألباني [.