فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 346

فعله من فعله، والباطل باطل وإن فعله من فعله، فالنَّاس لا يُبطلون حقًّا ولا يحقُّون باطلًا، فما ثبت بالشَّرع أنَّه حقٌّ فيجب القيام له ونصرته، وما ثبت بالشَّرع أنَّه باطل فيجب إهداره والابتعاد عنه (وَهَذَا) الاشتباه بين الحقِّ والباطل (يَقَعُ كَثِيرًا فِي الرُّؤَسَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ، إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ مُسْتَجِيرٌ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ صَدَاقَةٌ) بين هؤلاء الرؤساء وبين من آوى إليهم (فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ الْحَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَالْعِزَّةَ بِالْإِثْمِ، وَالسُّمْعَةَ عِنْدَ الْأَوْبَاشِ [1] يعني ماذا يقول عنِّي النَّاس؟ يقولون أنِّي سلَّمت فلانًا وقد استجار بي؟، فيجعل هذا هو الميزان الذي يدفعه إلى إيواء هذا الشَّخص(أَنَّهُمْ يَنْصُرُونَهُ وَيَحْمُونَهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا مُبْطِلًا عَلَى الْمُحِقِّ الْمَظْلُومِ) فإذن هم من جهة أنَّهم لن يسلِّموا المستجير فمن هنا يحسبون أنه حقٌّ، ومن جهة يبطلون الحقَّ الذي يطالب به الضعيف المسكين. (لَاسِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَظْلُومُ رَئِيسًا يُنَاوِئَهُمْ وَيُنَاوِؤُنَهُ فَيَرَوْنَ فِي تَسْلِيمِ الْمُسْتَجِيرِ بِهِمْ إلَى مَا يُنَاوِئُهُمْ ذُلًّا أَوْ عَجْزًا، وَهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ جَاهِلِيَّةٌ مَحْضَةٌ) يقول هنا خاصَّة إذا كان المظلوم الذي يُطالِب بهذا المستجير بهم إذا كان بينه وبين المجيرين عداوة، فيروْن تسليم المستجير بهم إلى عدوِّهم يرونه نوعًا من العجز والذلِّ، فتأخذهم العزَّة بالإثم فيأبون من ذلك. (وَهُمْ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا) وهذا كثير في القبائل، إذا كان هناك بين قبيلتين عداوة، فآوى واحد من هذه القبيلة إلى الأخرى، ولو كان ظالمًا وسيُطالب بالحقِّ وينصف عند القبيلة الأخرى، فإنَّ القبيلة المؤوية المجيرة ترى هذا من العجز، كيف أسلِّم هذا لهذه القبيلة وهي عدوَّة لها! فيرون هذا من العجز

(1) . (الأَوْشابُ الأَخْلاطُ من النَّاس والأَوْباشُ واحدُهم وِشْبٌ يقال بها أَوباشٌ من النَّاس وأَوْشابٌ من النَّاس وهم الضُّروبُ المُتَفَرِّقون) (لسان العرب 1\ 796) . (قَالُوا: والأَوْبَاشُ: الأَخْلاط من السِّفلة فهو أَخص) (تاج العروس 3\ 161) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت