(وَأَمَّا الصَّلْبُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ رَفْعُهُمْ عَلَى مَكَان عَالٍ لِيَرَاهُمْ النَّاسُ، وَيَشْتَهِرَ أَمْرُهُمْ وَهُوَ بَعْدَ الْقَتْلِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُصْلَبُونَ ثُمَّ يُقْتَلُونَ، وَهُمْ مُصَلَّبُونَ [1] الصلب يعني أن يرفعوا في مكان عالٍ عند مئذنة مسجد مثلًا، واختلف العلماء هل الصلب يكون قبل القتل أو بعد القتل؟، فهل يُقتل ثم بعد قتله يُصلب يعني يُرفع ويُشهر حتى يراه النَّاس، أو يُصلب أولًا وهو حيٌّ ثم بعد ذلك يُقتل؟، وجمهور العلماء على أنَّ الصلب يكون بعد القتل.(وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَتْلَهُمْ بِغَيْرِ السَّيْفِ، حَتَّى قَالَ: يُتْرَكُونَ عَلَى الْمَكَانِ الْعَالِي، حَتَّى يَمُوتُوا حَتْفَ أُنُوفِهِمْ بِلَا قَتْلٍ.) أي عطشًا وجوعًا ومن شدَّة حرِّ الشَّمس، وقد يستدل هؤلاء العلماء بحديث النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قصة الْعُرَنِيِّينَ [2] الذين جاءوا إلى المدينة ثم استوخموا حرَّها ومرضوا بسبب جوِّ المدينة، فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يخرجوا إلى إبل الصَّدقة ويشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما شربوا وصحُّوا قتلوا راعي النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الإبل، وهذا كأنَّه في حكم قطع الطَّريق لأنَّهم قتلوه لأجل المال وأشهروا السِّلاح، فعند ذلك جاء الصارخ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأرسل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم فجيء بهم، وعندما جيء بهم أمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأن تُكحَّل أعينهم
(1) .( {أو يصلبوا} والكلام فيه في ثلاثة أمور:
أحدها: في وقته، ووقته بعد القتل، وبهذا قال الشافعي، وقال الأوزاعي ومالك والليث وأبو حنيفة وأبو يوسف: يُصلب حيًّا، ثم يقتل مصلوبًا، يطعن بالحربة، لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت، ولأنه جزاء على المحاربة، فيشرع في الحياة كسائر الأجزية، ولأن الصلب بعد قتله يمنع تكفينه ودفنه فلا يجوز.
ولنا أن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظًا، والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف، فيجب تقديم الأول في اللفظ، كقوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ولأن القتل إذا أطلق في لسان الشرع، كان قتلًا بالسيف، ولهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتل. وأحسن القتل هو القتل بالسيف، وفي صلبه حيًّا تعذيب له، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تعذيب الحيوان، وقولهم إنه جزاء على المحاربة، قلنا: لو شرع لردعه لسقط بقتله، كما يسقط سائر الحدود مع القتل، وإنما شرع الصلب ردعًا لغيره، ليشتهر أمره، وهذا يحصل بصلبه بعد قتله، وقولهم: يمنع تكفينه ودفنه قلنا: هذا لازم لهم لأنهم يتركونه بعد قتله مصلوبًا) (المغني 10\ 303 - 304)
(2) . من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه: البخاري (231) ، ومسلم (1671) ، وابن حبان (1386) ، والترمذي (72) ، وأبو داود (4364) ، والنسائي (306) ، وابن ماجه (2578) ، وأحمد (12061) .