بالمسامير المحمَّاة بالنَّار، لأنَّهم فعلوا هذا براعي النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثم قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم ألقاهم في الحَرَّة -موطن في المدينة- يُستسقون فلا يُسقون، وبقوا على هذا حتى ماتوا، فهذا قد يستدل به من قال بأنَّه لا يُشترط في القتل أن يكون بالسَّيف، لأنَّ هؤلاء لم يقتلهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالسَّيف، وإنَّما تُركوا حتى ماتوا عطشًا ونزيفًا وحرًّا وغير ذلك، وهؤلاء كما جاء في حديث أنس أنهم فعلوا بالراعي ما فعله النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بهم.
شيخ الإسلام بعدما ذكر أنَّ بعض العلماء جوَّز أن يقتل هؤلاء بغير السيف وأنَّ بعض العلماء جوَّز أن يُتركوا في المكان العالي حتى يموتوا، فكأنَّ شيخ الإسلام فهم أو علم أنَّ هؤلاء يستدلُّون بحديث العرنيين فلذلك قال (فَأَمَّا التَّمْثِيلُ فِي الْقَتْلِ) لأنَّ العرنيين قد مُثَّل بهم، فهذا من أعظم التمثيل أن تكحَّل أعينهم بالمسامير المحمَّاة وأن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فكأنَّ شيخ الإسلام يقول فأمَّا ما حصل للعرنيين فكان تمثيلًا وهو على سبيل القصاص لأنَّهم فعلوا براعي النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما فعله النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بهم فلا يصلح الاستدلال بحديثهم على جواز القتل بهذه الصِّفة مُطلقًا. (فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ) أي إلا على وجه المعاقبة بالمثل، إن فعلوا هذا فُعل بهم هذا، كما حصل مع هؤلاء العرنيين (وَقَدْ قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ -رضي الله عنهما-:"مَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خِطْبَةً إِلا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ" [1] كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يكرر النَّهي عن المثلة، والمثلة هي قطع شيء من أعضاء الآدمي حيًّا أو ميتًا، كأن تقطع أنفه أو أذنه أو
(1) . من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه: ابن حبان (5616) ، والحاكم (7843) ، وأبو داود (2667) ، وأحمد (19923) ] صححه الألباني [.