فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 346

الحدود وأخذ الأموال في مقابلها يؤدِّي إلى فساد المجتمع في جميع أصنافه وطبقاته، وكذلك فإنَّ هذا الوالي تسقط مكانته، ويسقط من قلوب النَّاس لأنَّهم إذا رأوه يأخذ المال في مقابل إسقاط الأحكام، فأولًا لأنَّه لم يعظِّم الله فأهانه الله - سبحانه وتعالى -، وكذلك لأنَّ اليد العليا خير من اليد السفلى. (وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ مَالًا لِلدَّوْلَةِ عَلَى ذَلِكَ، مِثْلَ السُّحْتِ الَّذِي يُسَمَّى التَّأْدِيبَاتِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَعْرَابَ الْمُفْسِدِينَ أَخَذُوا لِبَعْضِ النَّاسِ، ثُمَّ جَاءُوا إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ فَقَادُوا إلَيْهِ خَيْلًا يُقَدِّمُونَهَا لَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَيْفَ يَقْوَى طَمَعُهُمْ فِي الْفَسَادِ، وَتَنْكَسِرُ حُرْمَةُ الْوِلَايَةِ وَالسَّلْطَنَةِ، وَتَفْسُدُ الرَّعِيَّةُ. وَكَذَلِكَ الْفَلَّاحُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ شَارِبُ الْخَمْرِ، إذَا أُخِذَ فَدَفَعَ مَالَهُ كَيْفَ يَطْمَعُ الْخَمَّارُونَ، فَيَرْجُونَ إذَا أَمْسَكُوا أَنْ يُقَدِّمُوا بَعْضَ أَمْوَالِهِمْ، فَيَأْخُذَهَا ذَلِكَ الْوَالِي سُحْتًا لَا يُبَارَكُ فِيهَا وَالْفَسَادُ قَائِمٌ) فهذه الأموال التي أخذها منزوعة البركة، وكذلك الفساد قائم لأنَّ النَّاس لا يخافون العقوبة. (وَكَذَلِكَ ذَوُو الْجَاهِ) أصحاب المكانة والشرف والقوة (إذَا أَحْمَوْا أَحَدًا أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، مِثْلَ أَنْ يَرْتَكِبَ بَعْضُ الْفَلَّاحِينَ جَرِيمَةً، ثُمَّ يَأْوِي إلَى قَرْيَةِ نَائِبِ السُّلْطَانِ أَوْ أَمِيرٍ، فَيُحْمَى عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) لأنَّ الحدَّ الذي يُقام عليه إنَّما يقام عليه بموجب الشَّرع الذي جاء من عند الله على لسان النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ومعنى أحموْه كما في المصباح؛ أحميته جعلته حِما لا يقرب ولا يُجترئ عليه [1] (فَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي حَمَاهُ، مِمَّنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا» [2] فَكُلُّ مَنْ آوَى مُحْدِثًا مِنْ هَؤُلَاءِ

(1) . المصباح المنير (1\ 153) .

(2) . من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: مسلم (1978) ، وابن حبان (6604) والنسائي (4422) ، وأحمد (855) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت