لِلْمُسْلِمِينَ: مِنَ الْمُجَاهِدِينَ وَالْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ تَعْطِيلَ الْحَدِّ بِمَالٍ يُؤْخَذُ، أَوْ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ مِنَ الزَّانِي، وَالسَّارِقِ وَالشَّارِبِ، وَالْمُحَارِبِ، وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِتَعْطِيلِ الْحَدِّ، مَالٌ سُحْتٌ خَبِيثٌ.) أطال شيخ الإسلام في هذه المسألة وفصَّل فيها وبيَّن أحكامها بيانًا لا يحتاج فيه إلى زيادة إيضاح، وقرنها بالتخويف من عقاب الله - عز وجل - الدنيوي والأخروي، وتشعر من ذلك أنَّ زمنه كان مليئًا بهذا الداء فأراد أن يضمن كتابه الموعظة والتذكير إلى أولي الأمر الذين كانوا في زمانه، والذين كتب لهم هذا الكتاب كما ذكر في أوَّله. وذكر هنا أنَّ العلماء مجمعون على عدم جواز تعطيل الحدِّ في مقابل أخذ مال أو في مقابل شفاعة أو غير ذلك، وهذا المال المأخوذ هو مال سحت وحرام. (وَكَثِيرًا مِمَّا يُوجِدُ مِنْ فَسَادِ أُمُورِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ تَعْطِيلُ الْحَدِّ بِمَالٍ أَوْ جَاهٍ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ فَسَادُ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى وَالْأَمْصَارِ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالتُّرْكُمَانِ، وَالْأَكْرَادِ، وَالْفَلَّاحِينَ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَقَيْسٍ، وَيَمَنٍ، وَأَهْلِ الْحَاضِرَةِ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّاسِ وَأَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَأُمَرَاءِ النَّاسِ وَمُقَدَّمَيْهِمْ وَجُنْدِهِمْ، وَهُوَ سَبَبُ سُقُوطِ حُرْمَةِ الْمُتَوَلِّي، وَسُقُوطِ قَدْرِهِ مِنَ الْقُلُوبِ، وَانْحِلَالِ أَمْرِهِ، فَإِذَا ارْتَشَى وَتَبَرْطَلَ عَلَى تَعْطِيلِ حَدٍّ ضَعُفَتْ نَفْسُهُ أَنْ يُقِيمَ حَدًّا آخَرَ، وَصَارَ مِنْ جِنْسِ الْيَهُودِ الْمَلْعُونِينَ. وَأَصْلُ الْبِرْطِيلِ هُوَ الْحَجَرُ الْمُسْتَطِيلُ، سُمِّيَتْ بِهِ الرِّشْوَةُ ; لِأَنَّهَا تَلْقُمُ الْمُرْتَشِيَ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْحَقِّ كَمَا يُلْقِمُهُ الْحَجَرُ الطَّوِيلُ، كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ:"إِذَا دَخَلَتِ الرِّشْوَةُ مِنَ الْبَابِ خَرَجَتِ الْأَمَانَةُ مِنَ الْكَوَّةِ" [1] وهذا مروي عن الحسن البصري -رحمه الله-، وخلاصة كلام شيخ الإسلام أن تعطيل
(1) . مروي عن الحسن البصري، أخرجه أحمد في الزهد (1\ـ 288)