ليصرفها في مصالح المسلمين العامة، وهو في هذه الحالة قد عطَّل أكبر مصالح المسلمين وهو إقامة الحدود، فلا يجوز أخذ هذا المال بأي حجَّة من الحجج، ولو بقي النَّاس يأكلون الجلود، فلا يجوز للسلطان هنا أن يأخذ أموالًا من هؤلاء الذين ثبتت عليهم الحدود من أجل أن يرفع ميزانية الدولة أو من أجل أن يرفع هذه المجاعة (وَإِذَا فَعَلَ وَلِيُّ الْأَمْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ جَمَعَ فَسَادَيْنِ عَظِيمَيْنِ. أَحَدُهُمَا: تَعْطِيلُ الْحَدِّ، وَالثَّانِي أَكْلُ السُّحْتِ.) انظر شيخ الإسلام ما قال تبديل الحدِّ، وإنما قال تعطيل الحدِّ، فهناك فرق بين تبديل الحدِّ وبين تعطيل الحدِّ، فتبديل الحد كفر خاصة إذا جعله قانونًا عامًا فقد صار تشريعًا من دون الله - عز وجل -، ولكن ماذا يفعل هذا -الذي يأخذ المال لتعطيل الحدود-؟ أحيانًا يأتيه الإنسان وقد سرق فيتلاعب في مقدمات الحكم فيحاول مثلًا أن يطعن في الشهود، فيدفع له مالًا من أجل أن يخرج الشهود غير عدول، أو من أجل أن يخرج أنَّ المال أخذ من غير حرزه، أو أن المال المأخوذ فيه شبهة له، وبعد ذلك يسقط الحكم ويبطله، فهذا المال المأخوذ من السحت الحرام، وسلك فيه مسلك اليهود الذين عُرِف عنهم ذلك، والحرام الآخر الذي فعله هو أنَّه عطَّل حدًّا واجبًا من حدود الله - عز وجل -.
وهذا مقر بالحكم الشرعي ومشى بنفس طريقة الشَّرع ليسقط الحكم مع أنَّه في قرارة نفسه يعلم أنَّه يفعل خطأ، فهو يعرف أنَّ الشهود إذا لم يكونوا عدولًا فالحدُّ لا يُقام، ويعرف أنَّ المال إذا كان مسروقًا من غير حرز فلا يُقام، ويعلم أنَّ المال إذا كان من دون النصاب فلا يُقام الحدُّ، فهو يريد أن يثبت أنَّ حكم الشرع في هذا هو كذا، فهو بحسب الظاهر ترى أنَّه حكم بالشَّرع، وهذا الذي يطلق عليه العلماء"كفر دون كفر"يقولون إذا حكم في قضيَّة لرشوة أو لهوى