هنا تُرك لا لأنَّه تاب وجاء بإقرار من عنده، وإنَّما لأنَّه لم يثبت إلى هذا الوقت عند القاضي أو عند الإمام والسُّلطان وعند النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أقرَّ على نفسه بما يُوجِب الحدُّ حقيقة، وهو الزنا، ولذلك ستر عليه - صلى الله عليه وسلم - وتركه على حاله (مَعَ آثَارٍ أُخَرَ [1] . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو -رضي الله عنهما-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تَعَافُّوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ) أي فيما بينكم أسقطوها، يعفو بعضكم عن بعض أو يتنازل بعضكم عن بعض يشفع بعضكم لبعض (فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» [2] أي وجب إقامته.
(وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» [3] كما ذكرنا من قبل أن شيخ الإسلام -رحمه الله- عندما يقرر المسائل الشرعية يقررها على طريقة كتاب الله - عز وجل -، فلا يبيِّن الأحكام تبيينًا جافًا مجرَّدًا، وإنَّما يربطها بالعلاقة مع الله - سبحانه وتعالى -. فانظر هنا أيّ خير حُرم منه المسلمون في هذا الزمان حيث تعطَّلت الحدود، فأن يقام فيهم حدٌّ واحد من حدود الله - عز وجل -، فهذا أفضل لهم من أن يستمر المطر أربعين خريفًا -والمطر هو لحياة الأرض، والحدود لحياة الدَّين-، وهذا يدلُّك على أنَّ بركة الحدود عظيمة كبيرة(وَهَذَا لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبٌ لِنَقْصِ الرِّزْقِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْعَدُوِّ) فكلما كثرت المعاصي كانت سببًا في نزع البركة، وهذا يؤدي إلى نقصان الرزق وإلى تسلِّط العدوِّ على المسلمين بسبب ما يصيبهم من الوهن والجبن والخور، لأنهم ابتعدوا عن الله فابتعد الله عنهم (كَمَا
(1) . كحديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - في مسلم (1696) ، وابن حبان (4403) ، وأحمد (19917) .
(2) . من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه: الحاكم (8156) ، وأبو داود (4376) ، والنسائي (4886) .] حسنه الألباني [.
(3) .من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: ابن حبان (4397) ، وابن ماجه (2538) ، وأحمد (8723) . وعند النسائي (4904) "ثلاثين صباحا".