(وَكَانَتْ مِنْ أَكْبَرِ الْقَبَائِلِ، وَأَشْرَفِ الْبُيُوتِ، وَشَفَعَ فِيهَا حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُسَامَةُ، غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ دُخُولَهُ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ الشَّفَاعَةُ فِي الْحُدُودِ) والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يغضب لنفسه إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فلا يقوم لغضبه شيء (ثُمَّ ضَرَبَ الْمَثْلَ) حتى يؤكِّد هذا المعنى في قلوبهم (بِسَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .) فهذا على سبيل التنزُّل والذهاب إلى أقصى الاحتمالات، كأنَّه يقول لهم إنَّ الحدود لا يمكن إسقاطها عن أيِّ أحد، ولو كان هناك أحد يستحق لشرفه ومنزلته ومكانته وكرامته أن يُسقط عنه الحدُّ لكانت فاطمة -رضي الله عنها- وفاطمة لو أنَّها فعلت لما أُسقِط عنها الحدُّ، فدونها من باب أولى.
(وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُطِعَتْ يَدُهَا تَابَتْ وَكَانَتْ تَدْخُلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَيَقْضِي حَاجَتَهَا [1] أي لما أقيم عليها الحدُّ، فليس بينه وبينها عداوة شخصيِّة، وإنَّما هو إقامة حدود الله - عز وجل -، فعندما تأتي وتسأل شيئًا أو تستفتي في شيء أو تدخل على عائشة فيقضي حاجتها كغيرها من نساء المسلمين ولا تعيَّر بما فعلته من قبل، لأنَّ الله - عز وجل - جعل لهذه الجناية حدًّا وجعل لها عقوبة، فما زاد على ذلك فهو جناية على هذا، فلو أنَّ رجلًا زنا مثلًا وأقيم عليه حدُّ الجلد، ثم تاب بعد ذلك فلا يُعيَّر بهذا، لأنَّ «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» [2] ، والله - سبحانه وتعالى - لو أراد أن يجعل العقوبة فوق الجلد لقال اجلدوه وعيِّروه أو اجلدوه
(1) . من حديث عائشة -رضي الله عنها-: البخاري (4053) ، مسلم (1688) .
(2) . من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: ابن ماجه (4250) [حسنه الألباني] .