فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 346

يأخذون المال من غير حله ثم يجودون وينفقون على النَّاس، فهم أدركوا أن سياسة النَّاس لا يمكن أن تقوم بغير العطاء والبذل والتوسع في الجود، ولكن أصبحوا يأخذون الأموال من النَّاس من غير وجه الحلِّ، وينفقونها من أجل إبقاء سلطانهم وملكهم، فأنفقوا وأعطوا ولكن من غير وجه الحلِّ، فهم ما نظروا إلى الآخرة، وإنما نظروا إلى الدنيا نظرًا مجردًا، وهذه حقيقة دنيوية وهي أن الدول لا تقوم إلا بالجود والسخاء، ولكنهم لم يراقبوا الله ولم يراعوا في جودهم وعطائهم الآخرة، وإنما أخذوا هذه القاعدة التي اتفق عليها أهل الدين والدنيا وطبقوها بطريقة خطأ لحفظ ملكهم، فلم يلتفتوا إلى أنهم سيُسألون عن هذه الأموال من أين اكتسبوها؟ وفي أي شيء صرفوها، ونحن قلنا من قبل أن السلطان عليه أن يأخذ المال من حله وأن ينفقه في حقه (فَصَارُوا نَهَّابِينَ وَهَّابِينَ) نهابين: من جهة ما يأخذونه من وجه المال حرامًا، وهابين: ينفقون ويعطون النَّاس إبقاءً لملكهم. فهؤلاء إنما يريدون بذلك العلو في الأرض والفساد -يحبون الإمارة وأن يكون لهم السلطان وأن يستقر ملكهم وتستمر دولتهم- فإن مقصدهم ليس إقامة الدين، ولم ينظروا إلى مصلحة الدين، وإنما نظروا إلى مصلحة سلطانهم وبقاء ملكهم، يقول تعالى: {تلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ] القصص:83 [وهؤلاء جمعوا بين طلب العلو وبين الفساد لأخذهم أموال النَّاس بالباطل.

(وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّى عَلَى النَّاسِ إلَّا مَنْ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ) يعني لا يمكن أن يكون أميرًا على النَّاس إلا من يأكل لنفسه هو، ويُطعم أي يعطي النَّاس، فلا يحرم نفسه ولا يحرم النَّاس، ولكنه في هذا لم ينظر إلى الجهة التي يأخذ منها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت