الشجاعة والسخاء (كُلُّ مَنْ لَا يَقُومُ بِهِمَا سَلَبَهُ اللهُ الْأَمْرَ، وَنَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:38،39] ) إذن لا بد من قيام الدين من وجود النجدة، والتي تتمثل في النفير والقتال في سبيل الله، إذن هذه الآية تتعلق بالشجاعة والنجدة (وَقَالَ تَعَالَى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38] ) فهناك عندما قصَّروا في جانب القوة، استبدل الله بهم قومًا غيرهم، وهؤلاء عندما قصَّروا في جانب النفقة والعطاء، استبدل الله بهم قومًا غيرهم، فحتى يكتمل الأمر فلا بد أن يجمع بين الأمرين، وهذا من دقائق فهم شيخ الإسلام ابن تيمية ومن تدبره لكتاب الله - عز وجل - (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد:10] ) المقصود بالفتح هنا على الصحيح من أقوال العلماء هو صلح الحديبية [1] . والمعنى لا يستوي منكم أيها المؤمنون من أنفق أمواله وقاتل من قبل صلح الحديبية لا يستوي هو ومن أسلم بعد صلح الحديبية وأنفق بعد صلح الحديبية وكلا وعد الله الحسنى. (فَعَلَّقَ الْأَمْرَ بِالْإِنْفَاقِ الَّذِي هُوَ السَّخَاءُ، وَالْقِتَالِ الَّذِي هُوَ الشَّجَاعَةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ:
(1) .قال ابن كثير في تفسيره (8\ 12) : (الجمهور على أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة. وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح هاهنا: صلح الحديبية) وانظر: تفسير الطبري (23\ 174 - 177) ، تفسير البغوي (8\ 33) ، تفسير القرطبي (17\ 239) .