الغلو والشطط -كما رأيناهم في ساحات كثيرة- الذين يتجرؤون على التكفير في أدنى شيء لا يكادون يجتمعون حتى يتفرقوا، يجتمعون على أمر ثم يقودهم الغلو إلى غلو آخر، فيكفِّر بعضهم بعضًا ثم يتفرقون، ولا يمكن لأمثال هؤلاء أن يُقيموا دينًا ولا دنيا (وَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ الْوَرَعُ الْفَاسِدُ بِالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، فَإِنَّ كِلَاهُمَا) الفصيح: فإن كليهما، وهنا: فإن كلاهما وهي لغة صحيحة [1] (فِيهِ تَرْكٌ) يعني الورع الفاسد والجبن كله ترك، فالورع ترك المشتبهات ولكن هناك ورع لم يأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأت به الشرع (فَيَشْتَبِهُ تَرْكُ الْفَسَادِ; لِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الْجِهَادِ وَالنَّفَقَةِ، جُبْنًا وَبُخْلًا) فالإنسان يلتبس عليه الأمر، فيريد أن يترك الوقوع في الفساد خشية لله - عز وجل -، وهو في الحقيقة تارك للجهاد في سبيل الله، ومثاله: يقول الإنسان كيف أجاهد مع هؤلاء الظلمة وكيف أنصرهم؟ وكما ذكرنا من قبل أن الجهاد مع كل بَرٍّ وفاجر، فهنا الذي يدفعه أحيانًا هو خشيته لله أو هو ورع يتوهمه، ولكن في مقابل هذا الورع وهذه الخشية التي يزعمها فقد فرط في أداء الجهاد الواجب فيقع الالتباس، فالإنسان لا بد عليه أن ينظر إلى المسألة من جميع جهاتها (وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «شَرُّ مَا فِي الْمَرْءِ شُحٌّ هَالِعٌ) أي الجبن الذي يثير الجزع والضجر (وَجُبْنٌ خَالِعٌ» [2] يعني يكاد يخلع قلب صاحبه(قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. كَذَلِكَ قَدْ يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ ظَنًّا، أَوْ إظْهَارًا أَنَّهُ وَرَعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كِبْرٌ وَإِرَادَةٌ لِلْعُلُوِّ) فالدافع
(1) . وهي اللغة التي تلزم المثنى وما ألحق به الألف مطلقا، وقد عزيت لكنانة وبني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني الهجيم وبطون من ربيعة وبكر بن وائل وزبيد وخثعم وهمدان وفزارة وعذرة وخرج عليها قوله تعالى {إن هذان لساحران} وقوله - صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) (انظر: همع الهوامع 1\ 145)
(2) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: ابن حبان (3250) ، وأبو داود (2511) ، وأحمد (7997) ] صححه الألباني [.