الصفحة 45 من 89

والظاهر من صنيع الإمامين الجليلين ابن معط ومالك رحمهما الله تعالى أنها لا تجزم عندهما جملة وتفصيلا ، فإنهما ما ذكراها في الحوازم على شهرة الخلاف فيها والله تعالى أعلم [1] .

أما الشيخ مصطفى الغلايني رحمه الله تعالى فرجح القول بالتفصيل ، وتبعه شيخنا الدرة حفظه الله تعالى ، واستدل له بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ كيفما تكونوا يولَّ عليكم ] [2] .

(1) 159)( فقال ابن معط رحمه الله تعالى:

فجزمه بلم ولما وألم ولام أمر وبلا النهي انجزم

واجزم بحرف الشرط وهْو إنْ وما ضُمِّنَ معناه فمنه مَنْ وما

ومنه أيٌّ ومتى ومهما وحيثما وأينما وإذما

ومنه أيَّان ومنه أنَّى واجزم جواب الشرط إن لم يُبنى

وقال ابن مالك رحمه الله تعالى:

بلا ولام طالبا ضع جزما في الفعل هكذا بلم ولما

واجزم بإن ومن وما ومهما أيٍّ متى أيَّان أين إذما

وحيثما أنَّى وحرف إذما كإن وباقي الأدوات أَسْما )

(2) 160) ( جامع الروس العربية 2/194ـ فتح القريب المجيب للشيخ الدرة 2/264ـ سماعا من الشيخ حفظه الله )

ترجمة موجزة لشيخنا النبيل محمد علي طه الدرة حفظه الله تعالى وعافاه:

هو العلامة الجهبذ ، المتقن المتفنن ، البارع الورع ، المحقق المدقق ، إمام هذا الفن بلا مدافع ، ومجمع فوائده ودرره بلا منازع ، أبو بَشير محمد علي بن طه الدرة الصُبيحي الشافعي النحوي أطال الله بقاءه .

ولد في (( تل ذهب ) )إحدى قرى حمص عام 1926 ، و (( درة ) )اسم جدة أبيه ، دخل كُتَّاب القرية فحفظ القرآن الكريم وتعلم الكتابة والخط والتجويد ومبادئ الحساب ، ثم تخرج من الكُتَّاب ليعمل بالزراعة نظرا لظروف المعيشة القاسية آنذاك ، التحق الشيخ عام 1947 بالمعهد الشرعي في مدينة (( حمص ) )وكان عمره حينئذٍ 22 عاما ، وتخرج منه عام 1950 بعد اجتيازه سنواته الخمس بثلاث ، ثم عكف حفظه الله تعالى على = = مجالس أهل العلم في عصره ، فقرأ الفقه والحديث والنحو والفرائض والبلاغة والمنطق ، ولازم الشيخ طاهر الرئيس ـ شيخ الشافيعة في وقته ـ وأكثر القراءة عليه في الجامع الكبير .

درس الابتدائية (( السرتفيكا ) )وأخذها عام 1952، ثم حصل على المتوسطة (( البروفيه ) )عام 1954 ، وتهيأ بعدها للحصول على الشهادة الثانوية ، لكنه ما لبث أن انصرف عنها رغبة بما هو أجدى وأنفع ، فاشتغل بالتحصيل الذاتي ، أكب على أمات كتب أهل العلم في كل فن ، وتدرب عليها ، وبقي على هذه الحال أعواما كثيرة ، حفظ فيها المنظومات والمتون ، وقرأ الشروح والحواشي ، فما وقع تحت يده كتاب إلا وقرأه لا بل وحفظ منه .

درَّس الشيخ حفظه الله تعالى بالمدارس والمعاهد ، وعقد حلقات لتدريس النحو في الجامع الكبير وجامع خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ـ بعد أن تشاغل عنه أكثر أهل عصره ـ، وتنقل الشيخ حفظه الله تعالى بين المدن والقرى ، فدرَّس وأَقرأ ، وأقام اعوجاج ألسن الطلبة ، وجاهر بالحق وأعلى كلمة الله ، وعارض وعورض ، ونابذ أهل الأهواء ، وللشيخ ـ أمتع الله به ـ في هذا الباب صولات وجولات ، ومعارك مع أهل الزيغ والضلال طاحنات ، ولولا أني أردت الاختصار = ، لحبرت لكم الصفحات ، أروي فيها ـ سماعا ـ من حياة الشيخ ما تقر به عيون أهل الحق .

وبعد مضي ما يقرب من خمسة عشر عاما من السهر والتحصيل والعناء والتعب ، استخار الشيخُ الله تبارك وتعالى في التأليف مرارا ، وكان ذلك ، ودخل لجة هذا الميدان وفتح الله عليه بمنه وكرمه ، وتتابعت بعدها الفتوحات فتحا بعد آخر ، وصدر أول كتبه (( فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب ) )ثم تلاه (( فتح رب البرية إعراب شواهد جامع الدروس العربية ) )وأتبع ذلك تعليقة لطيفة على كتاب (( قواعد اللغة العربية ) )سماها (( فتح الوهاب في القواعد والإعراب ) )قربه حتى لا يقال ثمَّ بعيد ، وحل غوامضه حتى لا يقال ثَمَّ عويص ، وإن أحدثك عن حب الشيخ له فشيء لم تعهد مثله عند أهل ذا الزمان ، ثم تلا ذلك (( فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال ) (( فتح الكريم الواسع إعراب شواهد همع الهوامع ) )وما تقدم كله مطبوع ، إلا الأخير فإنه لا يزال مخطوطا ، ولا نعلم عنه منذ أعوام شيئا ، والظن أن يدا تسمَّت بالعلم سوَّلت لها نفسها أن خذيه ولا أحدَ يراك ، ويا ويل أم من كانت هذه طريقته ، وتلك البليات عقيدته ، لا تسأموا ولا تملوا فلو رأيتم الكتاب لعذرتم ، بل وزدتم ، فهو من أنفس ما كتب الشيخ حفظه الله تعالى ، والحمد لله على كل حال .

وفي صيف عام 1981 بدأ الشيخ ـ أطال الله بقاءه ـ يخط مشروع حياته الذي فجرته قبل سنوات كلمة خرجت من في أبي رجاء محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله تعالى ، وما أُراه كان يظن بها تفعل الأفاعيل ، بدأ الشيخ بإعراب كتاب الله ، إعرابُ القرآن وما أدراك ما إعراب القرآن ، لون آخر لم ترَ قط مثله ، وطعم لم تتعرفه الألسن منذ أمد ، إن تسمع عجبا ، وإن تقرأ طربا ، حلاه بخط يده ، وزبر فيه من قلبه وكبده ، سفر أسفر عن غزارة علمه ، ودقيق فهمه ، واتقاد قريحته ، إعرابٌ عجب عجاب ، وإن لا تصدق فسل الشوارد واللطائف أين اجتمعت قبله في صعيد واحد ، أما منطق الشيخ ورفيع أدبه وحسن بيانه فحدث ولاحرج ، إن نطق أمر بالمعروف ، وإن سكت فغضبا لدين الله يسكت ـ وما يحمله على ذلك إلا أن أقعده السن والمرض ـ ما أشد تعظيمه لكتاب الله ، إن تسله عن المسألة أول استحضاره لها آي القرآن المجيد ، يتلوه برجفة شفة واختناق دمعة ، إن مرت كلمة قال مثلثة والضم عند أهل اللغة فصيح وعندنا الفتح خير منه لأنه كتاب الله ـ ولا يحضرني الآن مثاله ـ . ولا تقولن أيها الحبيب ما لهذا الرجل استطال في مدح شيخه ، فوالله ما أنطقني بما قرأتَ إلا جفاء بعض أهل العصر ـ وقد اتخذتها فرصة أتنفس فيها ألم نكبتي ببعضهم ـ ، ولعلك قد قلت في نفسك كلامه فيه مقدوح فيه كشهادة الابن لأبيه ، أما وقد قيل فالراجح عند أخيك ـ وأبرأ أن يكون لي عندُ ـ القبول من ثقة عدل مأمون خلافا لأصحابنا ـ ولا يخفى فساد هذا الزمان ـ ولست بذاك عند السامع والقارئ ، فإن رد الكلام لأني مستور من المائة عند ابن حجر ، فالراجح ـ إن شاء الله تعالى ـ القبول إن لم آت بما ينكر وأنفرد عن الثقات الأثبات ، وأستعين الله أني ما خلطت ، وما تفردت وما أغربت ، ويعلم الله تعالى أني راقبت { ... وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ... } [ سُورَةُ الأَنْعَامِ: 152 ] إذ تكلمت ، ويُروى فيه عن الطاهرة المطهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ولعن من افترى عليها (( أنزلوا الناس منازلهم ) ). وفيه كلام لا يخفى على من زاحم بالركب ، لكنه في مثل هذا يحتمل ، والله أدرى بالحال والمقال .

وإني إذ أكتب هذه الكلمات فقد أشفق علي الأهل ، أني كلفت نفسي ما لست له بأهل ، وعذري أن (( الميسور لا يسقط بالمعسور ) )وقد لزمت في هذا الأصل جادة أهل العلم ، ولزوم الجادة طريقة معروفة وسنة متبعة

... فاللهَ أسألُ إن قصَّرتُ مغفرةً واياه أرجو إن أخطأت إحسانا

والحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت