والمختار عند العبد الضعيف ـ أقال الله عثرته يوم القيامة ـ أن المصنف له اختيار وترجيح في المسائل ـ وسترى في بيان ذلك ما تقرُّ به عينك إن شاء الله تعالى ـ ، يبدو ذلك جليا من خلال موافقته أهل البلدين في مسائل انفردوا فيها ، بل ومخالفته لهم جميعا في بعض المسائل كما ستعرفه والله تعالى أعلم .
وسأعرض الآن ما وقفت عليه من مسائل وافق فيها المصنف أهل الكوفة أو خالفهم ، وسأذكر فيه مطلبين ، الأول في وفاقهم ، والثاني في خلافهم ، فأقول مستعينا بالله العلي العظيم .
المَطْلَبُ الأَوَّلُ فِيْمَا وَافَقَ فِيْهِ المُصَنِّفُ أَهْلَ الكُوْفَةِ
وأنا ذاكر في هذا المطلب ـ إن شاء الله تعالى ـ ما وقفت عليه من مسائل في هذه المقدمة ، بشرط موافقتها لأقوال الكوفيين فيما انفردوا فيه من المسائل ، فأقول راجيا من الله التوفيق والسداد:
الموافقة الأولى:
قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الأفعال: « والأمر مجزوم أبدا » .
قال أبو بكر عفا الله عنه:
إطلاق المصنف عبارة الجزم ـ وهو من ألقاب الإعراب ـ فيه موافقة لأهل الكوفة القائلين بأنه ـ أي فعل الأمر ـ معرب مجزوم بلام أمر مقدرة ، خلافا لأهل البصرة القائلين بأنه مبني على السكون .
والخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف في الإعراب ، فالذي ذهب إليه البصريون أن الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال ، ورتبوا على مقالتهم أنه مبني على الأصل ولا مقتضي لإعرابه ، والذي ذهب إليه الكوفيون أن الإعراب أصل في الأسماء وفي الأفعال ، ورتبوا على مقالتهم أنه معرب إذ لا مقتضي لبنائه ، هذا وفي المسألة كلام أطول لا تسعه هذه العُجالة [1] .
الموافقة الثانية:
(1) 145) ( التبيين لأبي البقاء العُكْبَرِي ص176 ـ علل النحو لأبي الحسن الوراق ص210 ـ شرح المفصل لابن يعيش 7/61 ـ الإنصاف 2/524 ـ ابن عقيل 1/36 ـ همع الهوامع 1/15 )