الصفحة 9 من 52

وكأني بها تقول لكِ من ذلك القلب الكبير المليء بالحب والحنان ، والوفاء والتضحية ، كتبتها على استحياء بعد تردد وطول انتظار .أمسكت بالقلم مرات فحجزته الدمعة ! وأوقفته الدمعة مرات ، فجرى أنين القلب .

يابنيّه .. بعد هذا العمر الطويل أراكِ فتاةً سوية مكتملة العقل ، متزنة العاطفة .. ومن حقي عليكِ أن تقرئي هذه الورقة ، وإن شئتِ بعد فمزقيها كما مزقتِ أطراف قلبي من قبل !

يابنتي: منذ عشرين عامًا كان يومًا مشرقًا في حياتي عندما أخبرتني الطبيبة أني حامل ! وتعرفين معنى هذه الكلمة جيدًا ! فهي مزيج من الفرح والسرور ، وبعد هذه البشرى حملتكِ تسعة أشهر في بطني ،أقوم بصعوبة ، وأنام بصعوبة ، وآكل بصعوبة ، وأتنفس بصعوبة . لكن ذلك كله لم ينتقص من محبتي لكِ وفرحي بك ! بل نَمت محبتكِ مع الأيام ، وترعرع الشوق إليك ! حملتكِ وهنًا على وهن ، وألمًا على ألم .. أفرح بحركتِكِ ،وأسر بزيادة وزنِكِ ،وهو حملٌ علي ثقيل !

( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمُّهُ وهنًا على وهنٍ وفصالُهُ في عامين أنِ أشكر لي ولوالديكَ إلَيَّ المصير ) إنها معاناة طويلة ، أتى بعدها فجر تلك الليلة التي لم أنم فيها ولم يغمض لي فيها جفن، ونالني من الألم والشدة والرهبة والخوف ما لا يصفه قلم ، ولا يتحدث عنه لسان .. اشتد بي الألم حتى عجزت عن البكاء ، ورأيت بأم عيني الموت مرات عديدة !

حتى خرجت إلى الدنيا فامتزجت دموع صراخِكِ بدموع فرحي ، وأزلت كل آلامي وجراحي ، بل حنوت عليك مع شدة ألمي وقبلتُكِ قبل أن تنال منك قطرة ماء !

يا بنتي الغالية: مرت سنوات من عمركِ وأنا أحملك في قلبي وأغسلك بيدي ، فكان بطني لك وعاء ، ثم أصبح حجري لك فراشًا ، وثديي لك سقاء …

لأمك عليكَ حقٌ لو علمتَ كثيرُ ... كثيرُكَ يا هذا لديّهِ يسيرُ

فكم ليلةً باتت بثقلِكَ تشتكي ... لها من جواها أنةٌ وزفيرُ

وفي الوضع لو تدري عليها مشقةٌ ... فمن غُصصٍ منها الفؤاد يطيرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت