وكم غسلت عنكَ الأذى بيمينها ... وما حجرها إلا لديكَ سريرُ
وتفديكَ مما تشتكيه بنفسها ... ومن ثديّها شُربٌ لديكَ تميرُ
وكم مرةً جاعت وأعطتكَ قوتها ... حنانًا وإشفاقًا وأنتَ صغيرُ
فضيّعتها لمّا سمنت جهالةً ... فطال عليك الأمر وهو قصيرُ
فآهٍ لذي عقلٍ ويتبع الهوى ... وآهٍ لأعمى القلب وهو بصيرُ
مرت الليالي والأيام وأنا خادمة لم تقصر ، ومرضعة لم تتوقف وعاملة لم تسكن ، وداعية لكِ بالخير والتوفيق والعفة والعفاف ، أراقبكِ يومًا بعد يوم حتى اشتد عودك ، واستقام شبابكِ ، وبدت عليك معالم البلوغ والرشد ، فإذا بي أنتظر بفارغ الصبر نتائج ( الثانوية العامة ) لتكمل فرحتي بكِ بدخولكِ الجامعة !! وأتى موعد الجامعة ، واقترب زمنها ، فتقطع قلبي ، وجُرِحَت مدامعي ، فرحة بحياتك الجديدة ، وحزنًا على فراقك !
ومرت الساعات ثقيلة ، واللحظات بطيئة ، فإذا بك لستِ ابنتي التي عرفت . اختفت ابتسامتك ، وغاب صوتك ، وعبس محياك ،، لقد أنكرتني وتناسيت حقي ! تمر الأيام أراقب طلعتك ، وأنتظر بلهف سماع صوتك . لكن الهجر طال والأيام تباعدت ! ( أما ابن سرين يا بنتي ، كان إذا جلس بالقرب من أمه ظن القوم أنه مات ، لكثرة سكونه وهدوئه خوفًا من أن يزعجها )
يابنتي: لا أطلب إلا أقل القليل .. اجعليني في منزلة أطرف صديقاتِكِ ، وأبعدهم حظوة لديك ! اجعليني إحدى محطات حياتك الشهرية لأراك فيها ولو لدقائق ..
غذوتك مولودًا وعُلتُكَ يافِعًا ... تُعَلُّ بما أجني عليّك وتنهلُ
إذا ليلةٌ نالتك بالشجو لم أبِت ... لشكواكَ إلاّ ساهرًا أتملمَلُ
كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طُرِقت به دوني فعينيَ تهمُلُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنني ... لأعلم أن الموتَ حتم مؤجل
فلما بلغت الوقت في العدّة التي ... إليها جَرَى ما أبتغيه وآمُلُ
جَعَلتَ جَزائي منك جبهًا وغلظَةً ... كأنك أنت المنعمُ المتفضِّلُ