فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [1] .
فإذا تأملت في هذا الكلام وجدته لا يقوم على أصل علمي ولا فقه لغوي، بل قُصاراه الرجم بالغيب والتلاعب بالمعطيات التي يجدها المستشرق في القرآن منثورة هنا وهناك، فلا يستسيغها ولا يملك عقله الذري [2] أن يؤلف بينها ويجد النسق الجامع الذي من خلاله يقرأ مناسبة الآية وسبب نزولها وحكمة التدرج في التشريع ونزول كلام الله منجما على مراحل ليعالج النفوس [3] ويصلح الأحوال ويشحذ الهمم للبناء خطوة خطوة. وما أدرى هذا القائل؟ بأن قوما تعلَّقت قلوبهم بالخمر زمنا طويلا حتى صاروا لا يكادون ينفكون عنها في خاص أمرهم وعامه، كيف يستقيم تركهم لها دفعة واحدة؟ لولا حكمة من بيده مقاليد كل شيء وهو أعرف بطبائع خلقه وما
(1) يراجع: فؤاد كاظم المقدادي: الإسلام وشبهات المستشرقين، المجتمع العالمي لأهل البيت، 1416 هـ. ص 14.
(2) العقل الذري الغربي يجد صعوبة في استيعاب كثير من حقائق علوم القرآن، ومن ذلك ما اعترف به جاك بيرك نفسه قائلا في قضية الناسخ والمنسوخ: (( ولقد نرى أن القرآن في بعض الحالات يتضمن آيات، ستحل محلها آيات أخرى. وإن هذا الأمر ليدهش الإنسان الغربي. ولكن العقيدة تعطي لهذا الأمر كثيرا من التبريرات ) )القرآن و علم القراءة، ترجمة منذر عياشي، ط 1، 1996 م، ص 70.
(3) من شطحات المستشرق وات Watt أن تحريم الخمر في الإسلام جاء نتيجة للاعتبارات السياسية؛ لأن الخمر أي عصير العنب الصافي كان يستورد من سوريا والعراق، واقتناؤه يؤدي إلى إفادة العدو. وما تساءل عن سر بقاء تحريمه حتى بعد فتح بلاد الشام والعراق بعد أن صارت من أرض الإسلام، كما لم يستطع أن يفهم وصفه تعالى لها بالرجس وبأنها من عمل الشيطان، ومن كون شربها سببا للعداوة والبغضاء بين المؤمنين، ومن كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة إلى الدرجة التي صارت فيه عِدلا للشرك.