وجملة ما أثاره نولدكه لا يعدو الادعاء الذي لا يقوم على دليل، ويبدو أنه قد تراجع عن آرائه شيئا ما، خاصة حينما ظهر كتاب المستشرق الألماني «فوللرز» عن لغة الكتابة واللغة الشعبية عند العرب القدماء، والذي أثار نقاشات حادة، فقد زعم «فوللرز» في كتابه أن القرآن الكريم قد ألَّف بلهجة قريش، وأنه قد عُدِّل وهُذِّب حسب أصول اللغة الفصحى في عصر ازدهار الحضارة العربية، وقد انبرى نولدكه نفسه للرد عليه موضحًا أن كلامه عار من الصحة والتحقيق العلميين [1] .
لقد فتح (نولدكه) الطريق أمام القول بتحريف القرآن، ثم بدا مدافعا عنه، مما بدا فيه متناقضا بين السلب والإيجاب في الموضوع.
وإذا كان ما قدمه المستشرق نولدكه قد تضاءل قيمةً؛ نظرا لتردده في الأمر، وعدم وضوح الرؤية له فيه، فإن ما كتبه المستشرق بول بكثير من عدم التورع، لا يمكن أن يتهاون فيه.
لقد ألقت مسألة التحريف التي أثارها بعض المستشرقين، عند المستشرق بول بثقلها، فكتب عنها بحثا في دائرة المعارف الإسلامية الألمانية [2] .
اعتبر بول التحريف تغييرا مباشرا لصيغة مكتوبة، وأن الأمر الذي حدا بالمسلمين إلى الاشتغال بهذه الفكرة هو ما جاء بالقرآن من آيات اتهم فيها
(1) آلبرت ديتريش، الدراسات العربية في ألمانيا، تطورها التاريخي ووضعها الحالي، جوتنجن، 1962 م: ص 13.
(2) بول (Fr. Bull) ، دائرة المعارف الإسلامية الألمانية، تعريب: د. عبد الحميد يونس وجماعته، القاهرة، 1933 م: ج 4/ 604 ـ 608.