فلو شرى هذا الحنفيّ بعد ذلك عقارًا آخر وقلَّدَ الشافعيّ في عدم القولِ بشفعةِ الجوار، فلا يمنعُه ما سَبَقَ من أن يقلِّدَه في ذلك، فله أن يَمْتَنِعَ عن تسليم العقار الثاني، فإن مُنِعَ (1) في مثل هذا، أو عُمِّمَ ذلك في جميع صور ما وقعَ العملُ به أوّلًا، فهو غيرُ مسلَّم، ودعوى الاتّفاق عليه ممنوعة.
ففي (( الخادم ) ) (2) : أنّ القاضيَ أبا عاصم العامريَّ الحنفيَّ (3) كان يفتي على باب مسجد القَفَّال، والمؤذِّنُ يُؤذِّنُ المغربَ فتركَ ودخلَ المسجد، فلَمَّا رآه القَفَّال (4) أمر المؤذِّنَ أن يثنِّي الإقامة وقدَّم القاضيَ فتقدَّمَ وجهرَ بالبسملةِ مع القراءة وأتى بشعار الشافعيِّ في صلاته. انتهى.
(1) قال بالمنع في مثل هذا الآمدي وابن الحاجب ومن تبعهما. ينظر: (( حاشية العطار ) ) (2: 440) .
(2) خادم الرافعي والروضة )) لبدر الدين محمد بن بهادر الزركشي الشافعي (ت749هـ) ، وهو أربعة عشر مجلدًا، شرح فيه مشكلات (( الروضة ) )وفتح مقفلات (( فتح العزيز ) )، وهو على أسلوب (( التوسط ) )للأذرعي. ينظر: (( كشف الظنون ) ) (1: 698) .
(3) وهو محمد بن أحمد القاضي العامري الحنفي، أبو عاصم، كان قاضيًا بدمشق، من مؤلفاته: (( المبسوط ) )في نحو ثلاثين جزءًا. ينظر: (( الجواهر المضية ) ) (3: 84،4: 58) . (( الفوائد البهية ) ) (263) .
(4) وهو عبد الله بن أحمد بن عبد الله المَرْوَزيّ، أبو بكر، المعروف بالقَفَّال، كان في ابتداء أمره يعمل الأقفال، وبرع في صناعتها حتى عمل قفلًا بمفاتحه وزنه أربع حبات، فلمَّا أتى عليه ثلاثون اشتغل بالفقه، حتى صار وحيد زمانه فقهًا وحفظًا وزهدًا وورعًا، من مؤلفاته: (( شرح التلخيص ) )، و (( الفروغ ) )، (ت417هـ) . ينظر: (( العبر ) ) (3: 124-125) . (( طبقات الأسنوي ) ) (2: 147) .