الصفحة 4 من 52

وها هم يسمعون مثل قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ] يوسف: 2[. فما سُمِع أن أحد كفار قريش طعن في عربيته!

ولئن أرادوا التشكيك في مصدر التلقي، وهو أخطر من موضوع وجود كلمات غير عربية، فإن الله ردَّ عليهم، وبيَّن ما في قولهم من الخطأ ومجانبة تحكيم العقل، فقال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} ]النحل: 103 [وما فعلوا ذلك ـ مع معرفتهم بباطله ـ إلا فعلة العاجز في حيلته، الذي يصدر منه في مثل هذه المواقف ما يعلم قبل سامعه أنه على غير صواب.

فلما انقضى عصرُهم، ولم يكن لهم أي اعتراض على القرآن دلَّ على صحة عربيته بلا ريب، وهذا من باب التَّنَزل مع الخصم، وإلا فثبوت عربيته لا تحتاج إلى مثل ذلك.

ولما كان الطعن في القرآن من جهة عربيته ليس بابًا يصلح أن يسلكه من يطعن في القرآن، كما أنه ليس مسلكًا يمكن أن يسلكه عاقل يقرأ القرآن الكريم، ويعرف تاريخه وأحواله؛ لما كان الأمر كذلك دخل داخلون من باب آخر، ألا وهو باب اللغات السابقة لعربية التنزيل، وخرجوا بآراء مفادها أن القرآن ـ أو محمدًا صلى الله عليه وسلم بزعمهم ـ قد استفاد من هذه اللغات.

وسأسلِّط الضوء في هذا البحث على هذا الزعم، وسأجتهد في بيان الحق والصواب في هذه المسألة، وأسأل الله التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت