الصفحة 17 من 52

وإذا عدنا إلى تصوُّر أول الأمر، فإننا سنجد أول البشر أبانا آدم عليه السلام، ولا شك أنه كان يتحدث لغة واحدة علمه الله إياها وألهمه الكلام بها؛ إذ ذلك أول الأمر بلا ريب، ويشهد لذلك الحديث السابق (لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه: يرحمك ربك. يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة ـ إلى ملأ منهم جلوس ـ فسلِّم عليهم، فقال: السلام عليكم فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم) [1] .

وهذا الحديث يدل على إلهام أبينا آدم اللغة الأولى التي تكلم بها، وهي اللغة التي يتكلم بها الملائكة، فقد ردوا عليه بنفس ما قال لهم، وهي لغة لا تكاد تخطئ العربية، وقد سبقت الإشارة إلى بقاء هذه التحية إلى يومنا هذا.

ولما نزل أبونا آدم عليه السلام إلى الأرض نزل بهذه اللغة، وتوارثها بنوه من بعده، واستمرت هذه اللغة في أجيالٍ من أبنائه حتى وصلت إلى العرب سليمة نقية، لم يشبها ما شاب غيرها من اللغات التي كانت منبثقة عنها، والله أعلم.

وكان مما يظهر في مميزات هذه اللغة الأم ظاهرة الاشتقاق بشقيه: الأكبر والأصغر، واستمرت هذه الظاهرة في لغاتٍ بادت وانتهت؛ كالآرامية والبابلية وغيرها، وبقية ظاهرة الاشتقاق في لغة عربية التنزيل في أنصع صورة من صور

(1) رواه الترمذي في سننه برقم 3368 (5: 453) ، وابن حبان في صحيحه (14: 40) ، وذكره الألباني في صحيح الترمذي (3: 173) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت