لهم عشباً هنيئاً، ولا مرتعاً جيداً للرعي لسوء أرضها التي لا تنبت إلا السلع والقار وكل كلأ وبيل، فهم في عيشة ذليلة مرذولة بينما ينعم قوم بشر بكل خير وخصب:
فحاطُونا القصا، ولقد رأونا ... قريباً حيث يستمع السِّرارُ [1]
يسومون الصَّلاحَ بذات كهفٍ ... وما فيها لهم سَلَعٌ وقارُ [2]
وَ أنزل خوفُنا سعداً بأرض ... هنالِكَ إذ تجير وَ لا تُجارُ [3]
وحين تكون القوة المخيفة هي الفيصل في الأمور، فإن رغبات الخائف تظل مقموعة تمور في داخله لا يجرؤ على تفريغها أو تطمينها، فيذعن للواقع المفروض عليه على مضض منه، فالنزاعات المحتدمة بين المتخاصمين لا تجد لها حلولاً إلا في إحدى سبيلين، إما بالرأي السديد المستند إلى منطق العقل الذي يرضي أطراف النزاع، ويصلح الحال بعد فسادها أو بالاحتكام إلى القوة التي ترغمها على قبول الحل وإن كان جائراً، والصورة الثانية من الحلين نراها مجسدة في الشاعر ذي الإصبع العدواني الذي يبت في شؤون الحي، ويقطع برأيه في خلافاته، فلا أحد يناقشه في رأي، ولا معترض يخالفه في قضاء، كلامه مسموع ورأيه متبوع يستوي في ذلك الغالب والمغلوب، والظالم والمظلوم، ومرد ذلك كلّه الخوف الذي يثيره فيهم الشاعر بسطوته وعنفه، وآية ذلك أن الخصومة تبقى فائرة في نفوسهم التي تتآلف على السلم، ولم تتفق على الصلح عن طيب خاطر، وما المصالحة الظاهرة بينهم إلا استجابة لعوامل قاهرة، ومخاوف ضاغطة، وما هدوؤهم إلا سكوت مبطن بالعداوة والضغينة:
يا رُبَّ حيٍّ شديدِ الشَّغْبِ ذي لَجَبٍ ... ذعرت من راهنٍ منهم ومرهونِ [4]
رددتُ باطِلَهُمْ في رأسِ قائِلهِمْ ... حتى يظلوا خصوماً ذا أفانينِ [5]
(1) حاطونا: احاطوا بنا، القصا: البعد، ومعنى حاطوا القصا: هربوا.
(2) ذات كهف: موضع، السلع والقار: شجران مران.
(3) ديوانه: 68 - 69.
(4) الراهن والمرهون: الغالب والمغلوب.
(5) ديوانه: 97، أفانين: أحوال منوعة.