الصفحة 280 من 392

فلو كانَ جمعٌ مثلنا لم يبزّنا ... ولكنْ أتانا كلُّ جنٍّ وخابلِ [1]

والشاعر عباس بن ريطة الرعلي الذي خسر قومه المعركة يوم الدثينة يضرب عن ذكر الحقيقة المرة لتلك الهزيمة ليسلي عن نفسه الهم، فلا يعزو هزيمة قومه إلى نقص في شجاعتهم، أو عجز في أدائهم القتالي، إنما يعزوها إلى حظهم العاثر الذي خذلهم ساعة المواجهة، وقادهم إلى ذلك المصير المفجع:

أتانيَ زجْلٌ فوق رحلٍ يعدُّنا ... عديدَ الحصى ما إنْ يزال يكاثرُ

أغرَّك منّي أنْ رأيتَ فوارسي ... ثوى منهمُ يوم الدثينةِ حاضرُ

بأيدي رجالٍ اغضبتْهم رماحُنا ... وَ أسيافُنا إنّ الأمورَ دوائرُ

وَ ذلك ما جرّتْ علينا رماحُنا ... وكلُّ امرىءٍ يوماً به الجَدُّ عاثرُ [2]

إن الجبن صفة ذميمة منكورة يعاب بها المرء، وتسفل بها منزلته [3] ، ولهذا نجد أوس بن حجر يهرع إلى الماضي ويستعين به لتلافي هذا العيب، بجعله ذلك الماضي البطل شفيعا للحاضر المنهزم، ومراده في ذلك أن يستل من نفسه بعض همومها، وليقنع الآخرين بجدوىما يقول لتسويغ دافعه غير المقبول في الفشل المتمثل بالجبن والهزيمة قائلاً:

أجاعلةٌ أمُّ الحُصينِ خزايةً ... عليَّ فراري أنْ لقيتُ بني عَبْس

وَ رهط بني عمرٍو وعمرَو بن عامرٍ ... وَتيماً، فجاشتْ من لقائهمُ نفسي

كأنّ جلودَ النُّمرِ جيبتْ عليهمُ ... إذا جعجعوا بين الإناخةِ وَ الحبسِ [4]

لقونا فضموا جانبينا بصادقٍ ... من الطعن حشَّ النار في الحطب اليَبْس

ےےےےےے11265ولمّا دخلْنا ... خبطتُ بكفّي أطلبُ الأرض باللَّمْس

(1) ديوان عامر بن الطفيل: 91، الخابل: الجني.

(2) نقائض جرير والفرزدق: 1/ 392.

(3) وآية ذلك أن العرب سوّدت الفقير وجافي الطبع والبخيل ولم ترضَ بسيادة الجبان، ينظر: الشعراء الفرسان: 11.

(4) جعجعوا: نزلوا في موضع لا يرعى فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت