يتضح من الشواهد السابقة أن الإعتذار وليد الرهبة والخوف من سوء العاقبة، وليس أدل على ذلك من القلق والتضرع الملازمين للمعتذر في حومة الموقف المتأزم، بيد أنه بدا سبيلاً مجدية في استمالة ا لنفوس الإنسانية وترقيقها على طريق الصفح الموصل إلى برّ الأمان، وآية ذلك قبول النعمان اعتذار النابغة واصدار العفو عنه [1] .
التبرير:
وقد يعمد الخائف تحت طائلة الخوف إلى التبرير والتسويغ دفاعاً عن نفسه وتخلصاً من الاعتراف بالدواعي الحقيقية المضمرة لسلوكه غير المقبول الذي آل به إلى الفشل أو النقص [2] ، فالشاعر الذي يهزم، أو يهزم قومه في الحرب يخدع نفسه والآخرين أيضاً بحيلة دفاعية عقلية ليسوغ للهزيمة بقصد إعادة الطمأنينة المفقودة إلى نفسه ونفوس رهطه، فهو يلقي تبعة الخسارة على عوامل أخرى غير العامل الحقيقي، كأن يعزو تلك الخسارة أو الفشل إلى قلة أعدادهم، وكثرة مقاتلي أعدائهم، فاختلال توازن القوى حال دون ثباتهم في معترك المجالدة، قال عامر بن الطفيل:
أقولُ لنفسٍ لا يُجاد بمثلها ... أقلِّي المِراحَ إننّي غير مُقصْر
فلو كان جمعاً مثلنا لم يبزَّنا ... وَ لكنْ أتتنا أُسْرةٌ ذاتُ مفخر
أتونا بشهرانِ العريضةِ كلِّها ... وَ أَكلبَ طُرَّاً في جيادِ السِنوَّرِ [3]
وفي مقام آخر يتشبث الشاعر بالعذر نفسه في حومة الإحباط الذي مني به قومه:
جاؤوا بشهرانِ العريضةِ كلِّها ... وأكلبِها ميلادِ بكر بن وائل
وَسَعّتْ شيوخُ الحيِّ بين سُويقةٍ ... وبين جنوبِ القهر ميل الشمائلِ [4]
(1) الأغاني: 11/ 24 - 25، نهاية الأرب: 3/ 262، ومقدمة ديوان النابغة الذبياني: 6.
(2) معجم مصطلحات علم النفس: 123، وينظر: علم المعاني في حياتنا اليومية: 184، الشخصية والصحة النفسية: 79 - 80، النفس انفعالاتها وأمراضها وعلاجها: 1/ 66.
(3) ديوان عامر بن الطفيل: 65، السنور: الدرع.
(4) وسعت: من السعي والتشديد فيه للمبالغة، القهر: جبل، سويقة: موضع.