ويسهل عندها أن تشك، وأن تظن بالناس الظنون، ثم يصعب عندها بعد ذلك أن تتخلص من هذا الشك، وتطرح هذا الغضب، وأن تعود إلى سابق صفائها، وبراءتها، فالإنسان يغضب سريعا، ويصفح بطيئا [1] .
إن اعتذار النابغة الذي مبعثه الخوف من عقوبة الملك وسطوته زاخر بالمضامين الدالة على العجز عن مواجهة الموقف بوسيلة أخرى غير الإعتذار، وأنّى تواتيه الوسائل، وليس له من الخوف المهيمن عليه مجير، ولا عاصم له منه إلا المخيف نفسه يترهبه إذا غضب، ويتحصن به إذا رضي، قال:
أتاني أنّ داهيةً نآدى ... عَلَى شَحَطٍ أتاك بها مَيُوُن [2]
فبتُّ كأنني حَرِجٌ لعينٌ ... نفاهُ النَّاسُ أو دنِفٌ طعينُ
أقلِّب أظهراً أمري بطوناً ... وهلْ تغني من الخوفِ الفنونُ؟
أغيرك معقلاً أبغي وحصناً ... فأعيتنْي المعاقلُ وَ الحصونُ
فَجِئْتُكَ عارِيَاً خَلَقاً ثيابي ... على خوفٍ تُظنُّ بِيَ الظنونُ [3]
فالشاعر يلجأ إلى النعمان عارياً مسكوناً بالخوف، محاطاً بالرهبة، عسى أن يعطف عليه ويصفح عنه، فيبدو بذلك فزعه، ويذهب عنه قلقه.
وتتضح دواعي الرعب في اعتذاريات بشر بن أبي خازم إلى أوس بن حارثة التي يصف فيها تأزمه وشدة قلقه، وخوفه منه، راجياً منه العفو والتكفير بأسلوب يطفح بالخضوع والاستكانة معترفاً صراحة بالذنب الذي اقترفه حيال المعتذر إليه، وبالهجر الذي رماه به في هجائه إياه، فأي قوة هذه التي تنطقه بالحق، وتحمله على الإقرار بباطل ارتكبه، وقول كاذب نسجة على المهجو؟ وأي وازع هذا الذي يملي عليه أن يطلب من أوس (المهجو) فتح صفحة جديدة من العلاقات لينشر عليها ألطف الأقوال؟ ويسلك فيها أصدق الأخبار؟ إنه سوط الرهبة الذي وقف أمامة الشاعر في مشهد ذليلٍ مذعاناً مطرق الرأس:
(1) النابغة الذبياني: 95.
(2) نآدى: شديدة، ميون: كذوب.
(3) ديوانه: 222.