وحجب عنه سيل أعطياته التي كان يغدق بها عليه قبل أن تتصدع العلاقات بينهما، ويقع الانبتات والصدود في صحبتهما.
لقد دأب النابغة الذبياني على الإعتذار إلى النعمان معبراً عن خوفه الغائر في اعماق نفسه، والذي أقضّ مضجعه، وكدّر صفو حياته، ذائداً عن نفسه التهم الكاذبة والأقاويل الباطلة راجيا الصفح والأمان [1] ، فقد عمد من أجل بلوغ الغاية (تحقيق العفو، والتطهر من الخوف) إلى الخضوع أمام النعمان فعدّ نفسه عبداً منقاداً له:
فإنْ أكُ مظلوماً فعبدٌ ظلمتَهُ ... وإنْ تكُ ذا عُتبى فمثُلك يعتبُ [2]
وقوله:
أتوعِدُ عبداً لم يخنْك أمانةً ... وتتركُ عبداً ظالماً وَ هْوَ ضالعُ؟ [3]
يصدر كل هذا عن الشاعر وهو في كنف قومه، وكنف بني غسان القادرين على توفير الحماية له ومجابهة النعمان بما يبطل وعيده وتهديده، ويمحو أثرهما، لقد أكثر النابغة من التضرع إلى النعمان ليطفىء في نفسه جذوة الغضب المثير لخوفه ورهبته، فعظّم شأنه، وغالى في التعظيم حتى أبلغه ذروة القوة ومنتهى البطش، ووقف هو ذليلا خائر القلب صغير ا ينتظر العفو مرتجفا، قائلاً:
أُنبئتُ أنّ أبا قابوسَ أوعدني ... وَ لا قرارَ على زأرٍ من الأسد
مهلاً فداءً لك الأقوامُ كلُّهُمُ ... وما أُثِمِّرُ من مالٍ ومن ولدِ [4]
لا تقذفِنّي بركنٍ لا كفاءَ لَهُ ... وَ إن تأثَّفكَ الأعداءُ بالرَّفدِ [5]
إن هذا الفيض من التعظيم أو الإعلاء الذي غمر به الشاعر ملكه نابع من مشاعر الرهبة أولا وهادف إلى تمييع سورة الغضب عند المعتذر إليه ثانيا لأن النفس الإنسانية يسهل عندها إن تغضب،
(1) ينظر: ديوان النابغة الذبياني، ق 2 ب 10 - 13/ 33 - 34.
(2) نفسه: 74.
(3) نفسه: 38، ضالع: مائل عن الحق.
(4) أثمر: أي أكثر وأصلح.
(5) نفسه: 26، تأثفك: اجتمعوا حولك.