الخوف الذي خالط صدره، وانطوت عليه ضلوعه، فوقف موقفا متضرعاً متذللاً يخلع عليه ضروب آيات الإعظام والإكبار ملتمساً منه العفو والبراءة والأمن:
إلى ابنِ الشقيقةِ أعملتُها ... أخافُ العتاب وَ أَرجُو النّوالا [1]
إلى ابن الشقيقة خيرِ الملوك ... وَ أوفاهُمُ عند عقدٍ حبالا
ألستَ أبرَّهُمُ ذِمّةً ... وَ أفضلهم إنْ أرادوا فضالا
فأهلي فداؤك مستعتباً ... عتبتَ فصدقت فيّ المقالا
أتاكَ عدوٌّ فصدَّقْتَهُ ... فهلاّ نظرت هديت السؤالا
فما قلتُ: ما نطقوا باطلاً ... وَ لا كنت أرهبه أن يقالا
فإن كان حقاً كما خبّروا ... فلا وصلت لِيْ يمينٌ شمالا
تصَدَّقْ عليَّ فإني امرؤٌ ... أخاف على غير جُرمٍ نكالا [2]
أما عدي بن زيد العبادي الذي نجح اعداؤه في إحلال الجفوة بينه وبين الملك النعمان، ثم قيادته إلى السجن، فقد توسل بشعر الإعتذار يبث من خلاله همومه إلى النعمان، ويذكره بأيام الصحبة والصفاء ليستل الغضب الهائج من نفسه خوفاً من سطوته، وما يتوقعه منه من أذى وسوء، قائلاً:
إذْ أتاني نبأٌ من منعمٍ ... لم أخنه والذي أعطى الخبرْ
قيل حتى جاءني مصْدقُهُ ... ولقد يلفى مع الصفوِ الكَدَرْ
أبْلِغِ النُّعمانَ عنّي مَأْلُكَاً ... قولَ من خاف اضطناناً فاعْتَذَرْ [3]
ويتجسد الاعتذار مظهراً للخوف، ومعالجة له بأوضح صورة وأدق أشكاله في اعتذاريات النابغة إلى الملك النعمان الذي أوغر حساد الشاعر صدره عليه، فاستشاط غضبا عليه، وأبعده من نعم بلاطه،
(1) ابن الشقيقة: المنذر أمير الحيرة.
(2) ديوانه: 71.
(3) ديوانه: 60، اضطنانا: اتهاما.