وقد أظهر الشاعر العربي قبل الإسلام هذه العاطفة تجاه خصومه أفرادًا وقبائل، بيد أن هجاءه القبلي اكتسب قيمة خاصة لا سيما في الحروب التي دارت رحاها بين القبائل، لما كان يؤديه الهجاء من وظيفة كبيرة في إضعاف معنويات الأعداء، بما كان يبثه من روح التخاذل والخوف في صفوفهم، فحين عدّ العرب الولد والفرس ركيزتين أساسيتين من ركائز الحرب وتقرير نتائجها، لم يغفلوا ذكر العبء الثقيل الملقى على كاهل الشاعر الهجّاء [1] في الحرب اللسانية التي يتناول فيها ـ صدقًا أو افتراء ـ عيوب الخصوم، ويبعد عنهم كل رفيع وخيّر من الخصال، ويفحم شعراءهم المدافعين عنهم بقواف حداد، فالشاعر هنا معدن هذه الحرب وقطب رحاها يخشاه المناوئون خشيتهم لذعة الحرب المستعرة في سوح القتال.
وتُعزى خشية العرب من الهجاء، وتطيرهم منه دون الأغراض الأخرى [2] إلى ما ثبت في أذهانهم من ارتباطه بالسحر أو الدين أو القوى غير المنظورة التي تلهم الشاعر وتنفث في روحه فن القول، فالشاعر الهجاء ـ عندهم ـ وسيط يطلعه شيطانه على أسرار الآخرين وخفاياهم، ويعينه على نشرها بين الخلق، فالخوف من الشاعر متأت من صلته الحميمة بتلك القوى الأثيرية التي توحي إليه الشعر، وتعينه على صب اللعنات على المهجو، وايذائه، وإبطال ما يدعيه [3] ، فقوافي الحصين بن حمام المري المثيرات للعجب والإعجاب مستمدة من روح غير إنسية:
وقافِيَةٍ غَيْرِ إِنْسِيّةٍ ... قرضْتُ من الشعر أمثالها
شرودٍ تلمّعُ بالخافقينِ ... إذا أُنشدتْ، قيل: من قالها؟ [4]
(1) العمدة 1/ 65، والحياة الأدبية في العصر الجاهلي: 217، والمرأة في الشعر الجاهلي: 633، وشعر الحرب في العصر الجاهلي: 237 ..
(2) الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام: 92.
(3) تأريخ الادب العربي قبل الاسلام (القيسي وصاحباه) :53 - 54،والشعر ا لجاهلي خصائصه وفنونه: 226، والهجاء الجاهلي صوره وأساليبه الفنية: 131 - 132، والهجاء والهجاؤون: 59، ومن الأساطير العربية والخرافات: 33، والزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام: 31.
(4) شعره: 110، وينظر: ديوان حسان بن ثابت: 1/ ق8 ب21/ 53.