الصفحة 135 من 392

وربما كان للمظاهر التي يتخذها الشاعر لحظة الهجاء صلة بأصله الأسطوري، فقد كان الشاعر ـ امعانًا منه في الإخافة والقاء الرعب في نفس المتلقي ـ يخرج عن طوره المألوف، ويبدو في هيئة مغايرة لهيئته الطبيعية ليلفت الانتباه إلى ما يكشف عنه من مخبوء الأسرار في حومة غضبه الثائر، وسخرتيه اللاذعة، فقد جاء في الأخبار أن الشاعر إذا رام الهجاء، خضب شاربه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلًا واحدة على نحو ما أوثر عن حسان بن ثابت، ولبيد العامري [1] ، وما فعلوا ذلك إلا ابتغاء التخويف والترهيب. أما المعاني التي دار حولها هجاؤهم، فهي كل المعاني التي كان العربي ينفر منها ويأبى أن يوصف بها، لأنها تجلب له المهانة وتورد عليه الزراية، ومن أبرزها وأكثرها شيوعًا في أشعارهم، الهزيمة والجبن [2] ، واللؤم [3] ، والشح والبخل [4] ، وخيانة الجار [5] ، والجهل والحمق [6] ، والغدر [7] .

وإذا كان العربي في عصر ما قبل الإسلام يرهب الموت، لأنه يودي بحياته ويصفيه جسديًا (الموت المادي) فإن الهجاء الذي يصمه بالعار يفزعه أيضًا، لأنه يسلمه إلى موت آخر مغاير له في النوع ومشابه له في الدرجة، وهو (الموت المعنوي) أو (الموت في الحياة) فأخوف ما يخاف منه أن يعاب بالبخل، أو ينعت بالجبن، أو يرمى بالخيانة وثمة من دفعه خوفه من الهجاء إلى اقتحام أهوال الحرب والمنازلة واجدًا الموت أهون عليه من أن يجاهر الآخرون بمخازيه، أو أن تنوشه ألسنة الشعراء بقوارض الكلم، قال قيس بن الحدادية:

فجارُهُمُ آمِنٌ دهرَهُ ... بهم أنْ يُضامَ وأنْ يُغتصبْ

(1) الأغاني: 4/ 140، وأمالي المرتضى: 1/ 191 - 192، وبلوغ الأرب: 3/ 407.

(2) ينظر: ديوان بشر بن أبي خازم: ق 17 ب 3/ 90، وديوان قيس بن الخطيم: ق 4 ب 36/ 95.

(3) ينظر: نفسه: ق17 ب2/ 90، وديوان طرفة: ق26 ب498/ 173، وديوان شعر الحادرة: ق 2 ب 1/ 39.

(4) ينظر: ديوان بشر بن أبي خازم: ق 4 ب 7 - 8/ 21، وق 17 ب 5/ 90، وديوان الأسود بن يعفر: 57 ب1ـ2/ 58، وديوان حسان بن ثابت: ق 98 ب 4/ 215.

(5) ينظر: نفسه: ق 4 ب 9/ 21، وق 16ب 17 - 18/ 85، وق 17 ب 4/ 90، وديوان الأعشى: ق 14 ب 12/ 113.

(6) ينظر: ديوان الاسود بن يعفر: ق 1 ب 1/ 19، وديوان النابغة الذيباني: ق 20 ب 1 - 4/ 109.

(7) ينظر: ديوان شعر المتلمس: ق 2 ب 4/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت