الصفحة 132 من 392

فالقوة ضمانة لحماية النفس من كل شر، ومعقل يتحصن به من كل ظلم، قال عمرو بن براقة الهمداني:

متى تجمعِ القلبَ الذّكيَّ وصارمًا ... وأنفًا حَمِيًَّا تَجْتَنِبْكَ المظالمُ [1]

ومن هنا كانت القبائل تفخر بكثرة العدد، وتخوّف غيرها بها، فتتهيبها وتتحاشى منازلتها، لأنها متيقنة بأنها لا تحصد سوى الهزيمة والخسران إذا سولت لها نفسها المنازلة، لانعدام التكافؤ في القوى واختلال التوازن في المقدرة، ولا يخفى ما لكثرة العدد من دور فعال في ترهيب الأعداء وتقرير نتائج الحرب، فهذا قوم المرقش الأكبر مرهوبو الجانب لكثرتهم التي تفوق الحصى عددًا:

هلاّ سألت بنا فوارسَ وائلٍ ... فَلنحنُ أسرعُها إلى أعدائِها

ولَنَحْنُ أكثرُها إذا عُدّ الحصى ... ولنا فواضلها ومجدُ لوائِها [2]

فالحق في ظل القوة محفوظ لا يخاف عليه، قال عدي بن زيد العبادي:

ومن لم يكن ذا ناصرٍ عند حقّهِ ... يُغلّبْ عليه ذو النصير ويُضْهَد

وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجرٌ ... إذا أحضرتْ أيدي الرّجالِ بمشْهد [3]

ومن منطلق الأهمية التي تحظى بها القوة، وكثرة العدد كانت القبائل المنيعة لا تحالف القبائل الضعيفة القليلة العدد، لأنها تشكل لها عبئًا ثقيلًا لحاجتها إلى الحماية من القبائل الباغية أولًا، ولأنها لا تنهض بمهام الغارة والحرب، كما تنهض بها القبائل القوية ثانيًا، وكثيرًا ما كانت هذه القبائل الخاملة تقعد عن الغارة فيتخذ الشعراء ذلك سبيلا للطعن عليها وللسخرية منها على نحو ما صنع النابغة الذيباني إذ رمى قبيلتي سهم ومالك بالقلّة والذلّة [4] .

(1) قصائد جاهلية نادرة: 100.

(2) المرقش الأكبر أخباره وشعره: 883.

(3) ديوانه: 108.

(4) ينظر: ديوانه: ق 12 ب 7 - 9/ 87 - 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت