الصفحة 130 من 392

صرّح بها، ونبه على ضرورة تلافيها، والتوقي من مصادرها بغير الأحتكام إلى العنف، بيد أن القوم قد صموا آذانهم عن سماعه، فالشاعر في واد وقومه في واد غير واديه.

وعلى غرار النابغة دعا الأعشى إلى نبذ الحرب، وحذّر من مركبها الوخم وحث على السلم وتخليص النفوس من الأحقاد التي تسعّر الحرب التي يكتوى بلظاها الجميع، وقد اقترنت بدواعي تأكيد صلة الرحم بين أبناء العمومة لتكون تلك الصلة عاملًا يحجمهم عن القتال خوفًا على مصير العمومة نفسها:

بني عمِّنا لا تبعثُوا الحربَ بيننا ... كردِّ رجيعِ الرفضِ وارموا إلى السلمِ [1]

و كونوا كما كنّا نكون وحافظوا ... علينا كما كنّا نحافظ عن رُهْمِ [2]

نساءٌ موالينا البواكي وأنتُمُ ... مددتم بأيدينا حِلاف بني غُنْم

فلا تكسروا أرماحكم في صدوركم ... فتغْشِمَكُمْ إنّ الرماح من الغَشْمِ [3]

إن حياة الحرب فرضت على العربي حالة من الترقب الدائم المشوب بالحذر، والتأهب المستمرين لملاقاة المغيرين لدرء الأخطار عن القبيلة وحماها فالأرض الخصبة التي تدر على القبيلة خيرًا وعطاء، وتوفر لأبنائها أسباب المعيشة، وما يمتلكونها من الإبل والمواشي كانت دائمًا محط أنظار الطامعين فيها، والمتحفزين لسلبها، وقد استدعى الخوف عليها اليقظة الدائمة لحمايتها من انقضاض الخصوم عليها في أي فرصة سانحة [4] .

إن تهيئة أسباب القوة تحسبًا لأخطار متوقعة كانت ضرورة أملتها عليهم الأحوال المضطربة، والأوضاع القلقة التي كانوا يحيون في كنفها فلقد عودت الحياة الإنسان على أن يكون قويًا، وحملته على أن يمارس كل الأساليب التي تجعله قانعًا بما يؤكد في نفسه من أسباب هذه القوة، لأنه كان يدرك أن الضعف

(1) الرجيع: أرواث البهائم، الرفض: الإبل الراعية وحدها.

(2) رهم: اسم حي.

(3) ديوانه: 305، وينظر: الربيع بن ضبيع الفزاري حياته وشعره: ق 3 ب 1 - 5/ 45.

(4) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى: 185 - 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت