نصحتُ بني عوفٍ فلم يتقبّلوا ... وصاتي، ولم تنجح لديهم وسائلي
فقلت لهم: لا أعرفنّ عقائلًا ... رعابيبَ من جَنْبَيْ أرِيْكٍ و عاقلِ [1]
ضواربَ بالأيدي وراءَ براغزٍ ... حسان كآرام الصريم الخواذلِ [2]
خلال المطايا يتّصلنَ وقد أتتْ ... قِنانُ أُبيرٍ دونها و الكواثلِ [3]
وخلُّوا له بين الجناب وعالجٍ ... فراق الخليط ذي الأذاةِ المزاملِ [4]
ولا أعْرِفنّي بعد ما قد نهيْتكُمْ ... أجادلُ يومًا في سويٍّ وجامل
وبيضٍ غريراتٍ تفيض دموعها ... بِمستكْرهٍ يذرينَهُ بالأنامل
وقد خفتُ حتى ما تزيدُ مخافتي ... على وَعِلٍ في ذي المطارة عاقل
مخافةَ عمرٍو أنْ تكون جيادُه ... يُقَدْنَ إلينا بين حافٍ وناعلِ [5]
فقد استنفد الشاعر كل وسائله في النصح والنهي لاقناع قومه بجدوى العدول عن الحرب مع الملك، بيد أن وسائله تلك أخفقت في بلوغ الأهداف، ولم تفلح في صرف القوم عن عنادهم وإصرارهم على القتال، والشاعر هنا يريهم عاقبة إصرارهم، وأنهم لو أصغوا إلى نصحه وخافوا مثل خوفه لتفادوا ما آل إليه مصيرهم من سوء وانكسار، فخوفه الشديد الذي قرنه بخوف الوعل العاقل لم يكن مقطوع الصلة عن رؤية واعية، أو بعد نظر سديد، بل إن الشاعر حينما يجد تحذيره النابع من نية صادقة، ونصحه المنبثق من مخاوف مشروعة على حياة الجماعة يقابلان بالصدود والإعراض، ويلقيان و راء الظهور يؤلمه ذلك أيّما إيلام لا سيما إذا أثبتت الأحداث أصالة رأيه، وصدق دعواه، وأكدت حقيقة ما ذهب إليه من مخاوف
(1) أريك وعاقل: موضعان.
(2) البراغز: أولاد البقر، الصريم: المنقطع من الرمل.
(3) القنان: جبال صغار، أبير والكواثل: جبلان.
(4) الجناب وعالج: موضعان.
(5) ديوانه: 143 - 144، حاف وناعل: يريد خيلا وأبلا.