إن التذكير بمثل تلك الحروب، والأيام يوفر لهم الفرص النافعة لمراجعة النفس، واتخاذ القرار السليم بعد تدبر وأناة منبثقين من الاتعاظ بتجارب لاذعة في الحرب عانى منها أناس قبلهم معاناة، قال قيس بن الأسلت:
ألم تعلموا ما كان في حرب داحسٍ ... فتعتبروا أو كان في حربِ حاطبِ؟
وكم قد أصابتْ من شريف مُسوَّدٍ ... طويل العمادِ ضيفه غيرُ خائب
يخبّركُمُ عنها امرؤٌ حقُّ عالمٍ ... بأيّامِهَا، والعلمُ علمُ التجاربِ [1]
فحرب داحس والغبراء، وحرب حاطب، ويوم بعاث وغيرها من أيام العرب الطائرة الشهرة التي أورثتهم المآسي والفواجع بضراوتها، وطول آمادها، وكثرة قتلاها، كان لها في قلوب العرب وقع ممض، ورهبة مفزعة، ففي استحضار هذه الأيام بأبعادها المذكورة دعوة إلى الاعتبار بها، والاحتكام إلى موازين المنطق الحق، والإنصات لنداء العقل الواعي خشية أن تتكرر التجارب المرة، وتتواصل آثارها الضارة، إن الانحياز لمقاييس العقل وإمعان النظر في أحداث الماضي الموجعة بنظرة بصيرة ناقدة يرجحان كفة الخوف من الحرب، وويلاتها، والخوف هنا ليس عيبًا، إنّما هو جرأة في التمرد على واقع مختل بغية إصلاحه، وحين أشير إلى كره العقلاء للحرب، لا أعني بالحرب هنا حالة الاشتباك، والقتال وحدها، وإنما أقصد الحرب بالمعنى الشامل في الأبعاد والملابسات، فالعاقل من خاف عاقبة الحرب فتحاشاها، والجاهل من تهافت عليها دونما تقدير لأهوالها، أو تحسب لدواهيها، فدريد بن الصمة الذي خبر الحروب وجربها عن كثب يدعو إلى التفكير في نتائجها المرة قبل أن تقع، وهذه النتائج يمكن استخلاصها من حروب سبق أن شهدها القوم فعادت عليهم وبالا لكثرة ما سال فيها من دماء وما تمخض عنها من كوارث فاجعة:
سُليمُ بن منصورٍ أَلَمّا تُخبّروا ... بما كان من حربي كُليب وداحس
وما كان في حرب اليحابر من دمٍ ... مُباحٍ و جَدْعٍ مُؤلمٍ للمعاطس
وما كان في حربي سُليم وقبلهم ... بحرب بُعَاثٍ من هلاك الفوارس
(1) ديوانه: 67.