الصفحة 125 من 392

يخوّف أمرأة من نسائه، ويحذرها مغبة الإقتران بتأبط شرًا، لإرتباط حياته بشؤون الغارة والغزو، فاستجابت المرأة لتحذير قومها، وزهدت في الشاعر واستقالته بعد رغبة فيه، فأقالها، فقال تأبط في ذلك:

وقالوا لها: لا تنكحيهِ فإِنَّهُ ... لأوّلِ نَصْلٍ أنْ يلاقيَ مَجمْعَا

فلم ترى من رأيي فتيلًا وحاذرتْ ... تأيُّمُها من لابسِ الليل أرْوعا [1]

وقد تستيقظ في نفوس المحاربين ـ أحيانًا ـ نوازع الخير والسلم، ويحز في نفوس عقلائهم ما يرى من دماء تصبب وأواصر تقطع، وذعر يقض المضاجع، فتنزع نفوسهم إلى الصلح مدركين أن سبيل الحرب وعرة، وأن طريق القتال متعبة، قال قيس بن زهير:

فيا ابْني بغيضٍ راجعا السلمَ تسلما ... ولا تشمتا الأعداء يفترقُ الشملُ

وإنّ سبيلَ الحربِ وعرٌ مضلةٌ ... وإنّ سبيل السِّلْمِ آمنةٌ سهلُ [2]

ويجأر النابغة الذبياني بدعوة خصومه إلى المصالحة، وفتح صفحة جديدة من العلاقات المبنية على الود، والبعيدة عن البغضاء، والأحقاد التي تثير حروبًا تريهم النجوم في وضح النهار لشدة ضرامها، قائلًا:

فصالحونا جميعًا إنْ بدا لكمُ ... ولا تقولوا لنا أمثالها عامِ [3]

إنّي لأخشى عليكمْ أن يكون لكم ... من أجلِ بغضائهم يوم كأيّام

تبدو كواكِبُهُ والشمس طالعةٌ ... لا النورُ نورٌ، ولا الإظلامُ إظلامُ [4]

وبعد التذكير بحروب القبائل المشهورة، ومظاهرها المخيفة، وآثارها البائسة على الناس واحدة من الوسائل التي خوّفوا بها من مغبة إثارة الحرب، والإصرار على تأجيج نارها، والشعراء حين يفعلون ذلك إنما يستحضرون الصور البشعة المرعبة لتلك الحروب ليوقظوا في المتلقين حالة من الوعي والعقل مقابل الانفعالات التي تزين لهم الحرب وتغريهم بالقتال.

(1) شعره: 97، الفتيل: يراد به حقارة الشيء وعدم نفعه.

(2) شعره: 46.

(3) عام: مرخم عامر.

(4) ديوانه: 82 - 83، وينظر: الحماسة البصرية: 1/ 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت