ولولا كراهةُ سفْكِ الدّماءِ ... لعاد ليثربَ أديانُها [1]
بيد أنه حينما يوضع بين خيارين اثنين أحلاهما مرّ، الحرب أو الإذعان للمهانة، يتعذر عليه آنئذ أن يتجرع علقم الذل، أو يحتمل اعباء الجور فيخوض الحرب على الرغم من معرفته بالكوارث التي تولدها له، والأرزاء التي تحملها إليه، لكن في مرارتها شهد ما دامت تدفع عنه ما يشين وتجنبه مهاوي الخزاية، قال الربيع بن زياد:
الحرب أحلى إذا ما خفتَ نائرةً ... من المقام على ذُلٍّ وتصغير
فَأْذَنْ بحربٍ يغصُّ الماء شاربها ... أو أن تدين إلى إحدى التحاسيرِ [2]
ولا شك في أن الخوف من الغارة ليس احساسًا ينتاب المغار عليهم وحدهم، وإنما للمغيرين منه نصيب كبير، إذ يهبّ المغار عليهم لملاقاتهم، أو إعاقتهم عن تنفيذ مآربهم بكل ما يتاح لهم من أسلحة الرد وإمكانات التصدي، فالمغيرون يلاحقهم شبح الموت، وتتراءى لهم في حومة الخوف صور زوجاتهم، وأطفالهم الصغار الذين يترقبون أوبتهم سالمين غانمين، فإذا ما جوبهوا بخطر، لاذوا بالفرار خوفًا من موت وشيك الوقوع فأبو خراش الهذلي وجد في فراره منجاة لحياته ثم لولاه لآمت زوجه ويتّم ابنه، قال:
تقول ابنتي لمّا رأتني عشيّةً ... سلمتَ وما إن كدتَ بالأمسِ تسلَمُ
ولولا دِراكُ الشّدِّ قاظتْ حليلتي ... تخيَّرُ مِنْ خُطّابها وهي أيِّمُ [3]
فتقعد أو ترضى مكاني خليفةً ... وكاد خِراشٌ يومَ ذلكَ يَيْتَمُ [4]
وهذ الخطر المحدق بحياة المغيرين المتمثل بالموت الذي يحوم حولهم في كل لحظة لتعاملهم مع الحياة من خلال الموت، إنعكست صورته المرعبة على علاقاتهم الإجتماعية سلبًا، فهذا حي من أحياء العرب
(1) نفسه:72، أديان: جمع دين، أي الأمور التي تعرفها.
(2) شعره: 398.
(3) دراك الشد: مدراكته، وهي سرعته، قاظت: أتت عليها قيضة أي صيفة.
(4) ديوان الهذليين: 2/ 148.