الصفحة 127 من 392

تسافَهَتِ الأحلامُ فيها جهالةً ... وأضرمَ فيها كلّ رطبٍ ويابس

فكفُّوا خُفَافًا عن سفاهة رأيهِ ... وصاحِبَهُ العَبّاسَ قبل الدهارسِ [1]

والتحذير من الغارة أو الحرب شكل من أشكال التعبير عن الخوف من عواقبها الوخيمة، وآثارها المدمرة وهو دليل رغبة في السلم أكثر منه دليل رغبة في الحرب والقتال، لأن في إنذار الخصم أو العدو بالحرب إظهارًا للرغبة في أن يكف أذاه أو اعتداءه، وإلا كانت الحرب بينهما [2] ، فقد حذر النابغة الذيباني النعمان بن الحارث الغساني الذي رام غزو (بني حن بن حرام) فسرد له صورًا مخيفة عن أولاد عذرة، فهم قوم عظام اللّها، ضخام الأجساد، أقوياء الأبدان، ثم أطلعه على تأريخهم الحافل بحالات الرفض للضيم، وتحدي العدوان، والظفر في القتال، وقد عرض الشاعر هذه الصور الرهيبة المفصلة، ووضعها نصب عيني الملك الغساني ليحرك فيه عامل الخوف، ليقلع عن التفكير في الغارة وشن الحرب، لأن حربًا يخوض غمارها ضد رجال أشداء منعوتين بتلك الصفات، لا يمكن أن تكون سارة العواقب، مضمونة النتائج لمن يوقد أوارها، ويضرم نارها غير مكترث بما ينجم عنها من أخطار مهلكة، ومآس دامعة. قال النابغة:

لقد قلتُ للنُّعمان يوم لقيتُهُ ... يُريدُ بني حُنٍّ ببرقةَ صادرِ [3]

تجنّبْ بني حُنٍّ فإنّ لقاءهم ... كَرِيْهٌ وإن لمْ تَلْقَ إلاَّ بصابر

عظامُ اللُّها أولادُ عذرة إنّهم ... لهاميمُ يستلْهونها بالحناجرِ [4]

همُ منعوا وادي القرى من عدوهم ... بجمعٍ مُبيرٍ للعدوّ المكابرِ [5]

من الواردات الماءَ بالقاع تستقى ... بأعجازها قبل استقاء الحناجر

بزاخيّة أَلْوَتْ بليفٍ كأنّه ... عِفاءُ قِلاصٍ طار عنها تواجرِ [6]

(1) ديوانه: 88، الدهارس: الدواهي.

(2) شعر الحرب عند العرب (الكبيسي) : 116.

(3) البرقة: أرض ذات رمل وحصى، صادر: اسم موضع، بنو حنّ: حي من عذرة.

(4) اللهاة: جمع لهوة من المال، وأصل اللهوة الحفنة من الطعام تجعل في فم الرحا، اللهام: جمع لهوم، وهو العظيم الخلق الواسع الصدر، يستلهونها: يبتلعونها.

(5) مبير: مهلك.

(6) بزاخية: أي فيها تقاعس لكثرة حملها، القلاص: النوق الفتية، العفاء: الوبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت