الصفحة 46 من 71

وحدّث ابن الأعرابي عن بعض مشايخه أن رجلا من بني تميم كانت له ابنة جميلة، وكان غيورًا، فابتنى لها في داره صومعة وجعلها فيها، وزوّجها من أكفائه من بني عمها، وأن فتى من كنانة مر بالصومعة فنظر إليها ونظرت إليه فاشتد وَجْد كل واحد منهما بصاحبه ولم يمكنه الوصول إليها، وأنه افتعل بيتًا من الشعر ودعا غلامًا من الحي فعلمه البيت، وقال له: ادخل هذه الدار وأنشد كأنك لاعب، ولا ترفع رأسك ولا تصوبه ولا تومئ في ذلك إلى أحد، ففعل الغلام ما أمر به، وكان زوج الجارية قد أزمع على السفر بعد يوم أو يومين فأنشأ الغلام يقول:

لحى الله من يلحي على الحب أهله ‍* * * ومن يمنع النفس اللجوج هواها

قال فسمعت الجارية البيت ففهمت، فقالت:

ألا إنما بين التفرق ليلة * * * وتُعطَى نفوس العاشقين مناها

قال فسمعت الأم ففهمت فأنشأت تقول:

ألا إنما تعنون ناقة رحلكم * * * ... فمن كان ذا نوق لديه رعاها

قال فسمع الأب ففهم فأنشأ يقول:

فإنا سنرعاه ونوثق قيدها* * * ونطرد عنها الوحش حين أتاها

فسمع الزوج ففهم فأنشأ يقول:

سمعت الذي قلتم فها أنا مطلق* * * ... فتاتكم مهجورة لبلاها

قال فطلقها الزوج وخطبها ذلك الشاب وأرغبهم في المهر وتزوجها [1] .

فالزوجة الصالحة هي التي تراعي غيرة زوجها , وتحفظ عليه مشاعره.

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربة وأعجن ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ. فجئت يومًا والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثم قال: أخ أخ ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى. فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك. فقال: والله

(1) الأذكياء لابن الجوزي 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت