الصفحة 44 من 71

وذاك لا يتعلق به إلا من جهة بغضه لمبغضة الله ولهذا كانت الغيرة الواجبة عليه هي في غيرته على أهله وأعظم ذلك امرأته ثم أقاربه ومن هو تحت طاعته، ولهذا كان له إذا زنت أن يلاعنها لما عليه في ذلك من الضرر بخلاف ما إذا زنا غير امرأته، ولهذا يحد قاذف المرأة التي لم يكمل عقلها ودينها إذا كان زوجها محصنًا في أحد القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد. اهـ. [1] .

وقال الإمام ابن القيم: فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإن خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى، وان زعم أنه من المحبين. فكذب من ادعى محبة محبوب من الناس. وهو يرى غيره ينتهك حرمة محبوبه ... ويستهين بحقه، ويستخف بأمره. وهو لا يغار لذلك. بل قلبه بارد، فكيف يصح لعبد يدعي محبة الله، ولا يغار لمحارمه إذا انتهكت. ولا لحقوقه إذا أضيعت. وأقل الأقسام أ، يغار له من نفسه وشيطانه! فيغار لمحبوبة من تفريطه في حقه، وارتكابه لمعصيته. وإذا ترحلت هذه الغيرة من اللب ترحلت منه المحبة، بل ترحل منه الدين! وأن بقيت فيه آثاره. [2] .

روى البخاري في صحيحه من حديث عمرو بن ميمون الأودي:"أن قِرداٍ جاءَ بقِردة اضطجعَ، ثم مدّ يده لها، فاضطجعت بجانبهِ، فلما نام انسلّت، وجاء قردٌ آخر فذهب معها، ـ إذًا الأول الزّوج، والثاني هو الغريب ـ، ثم شعَر زوجها فانتفض وأزعجه، ثم صارت المطاردة، اجتمعت القردة، فتجمّعت وقاموا برجمها، قال عمرو بن ميمون: وكنتُ ممن رجمها [3] ."

والحادثة وقعت في اليمن في زمن النبوة.

فإذا كانَ هذا القِرد عنده غيرة، فما بال أهل الإيمان؟!.

قال أحدهم:

وأترك حبّها من غير بغضٍ***وذلك لكثرةِ الشركاء فيه

إذا وقَع الذباب على طعامٍ***رفعت يدي ونفسي تشتهيه

وتجتنب الأسود ورودَ ماءٍ***إذا رأت الكلابَ ولغن فيه

(1) ابن تيمية: الاستقامة ج2 ص 7.

(2) ابن القيم: روضة المحبين ص 274.

(3) صحيح البخاري 3/ 1397.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت