جاء أخوه لزيارته على عادته فطرق الباب فقالت امرأته: من بالباب؟ قال أخو زوجك فلان في الله، فقالت مرحبا بك وأهلا وسهلا اجلس فإنه سيأتي إن شاء الله بخير وعافية، قال فتعجب من لطف كلامها وأدبها، إذ جاء أخوه وهو يحمل الحطب على ظهره فتعجب أيضا لذلك فجاء فسلم عليه ودخل الدار وأدخله وأحضرت المرأة طعاما لهما وجعلت تدعو لهما بكلام لطيف، فلما أراد أن يفارقه قال يا أخي أخبرني عما أريد أن أسألك عنه؟ قال وما هو يا أخي؟ قال عام أول أتيتك فسمعت كلام امرأة بذيئة اللسان قليلة الأدب تذم كثيرا ورأيتك قد أتيت من نحو الجبل والحطب على ظهر الأسد وهو مسخر بين يديك؟ ورأيت العام كلام المرأة لطيفا لا تذمذم ورأيتك قد أتيت بالحطب على ظهرك فما السبب قال يا أخي توفيت تلك المرأة الشرسة وكنت صابرا على خلقها وما يبدو منها كنت معها في تعب وأنا أحتملها فكأن الله قد سخر لي الأسد الذي رأيت يحمل عني الحطب بصبري عليها واحتمالي لها فلما توفيت تزوجت هذه المرأة الصالحة وأنا في راحة معها فانقطع عني الأسد فاحتجت أن أحمل الحطب على ظهري لأجل راحتي مع هذه المرأة المباركة الطائعة [1] .
فما عليكما أيها الزوجان الحبيبان إلا أن تتحملا فضغوط الحياة فكثيرة , والحياة كلها عمرها قصير , وحال سوف يحول , وظل سوف يزول , فهي أهون من أن نضيعها في قيل وقال , وفي خصام وهجران.
قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [2] .
ورحم الله القائل:
عسى ما ترى ألا يدوم وإن ترى *** له فرجا مما ألح به الدهر
عسى فرج يأتي به الله إنه *** له كل يوم في خليقته أمر
إذا لاح عسر فارتج اليسر إنه *** قضى الله أن العسر يتبعه اليسر
رغب الإسلام في الصدق و حذر من الكذب حيث قال الله تعالى:"يا أيٌها الٌذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصٌادقين" [3] .
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الصدق يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة, وان الرجل ليصدق حتى يكون صديقا, و إن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, وان الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا [4] ."..
وإذا كان الصدق مطلوبًا على كل حال فانه آكد وأولى في الحياة الزوجية.
فالحياة الزوجية التي تقوم على الكذب والخداع لاشك أنها ستنهار سريعا وسيصبح الوالدان قدوة سيئة للأبناء. روى عبد الله بن عامر رضي الله عنه انه قال:"رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا و أنا صبي , قال: فذهبت أخرج لألعب. فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وما أردت أن تعطيه؟"قالت: أعطيه تمرا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة" [5] ."
فالصدق والوضوح والصراحة لا بد أن يكونوا من أركان الحياة الزوجية فرب كذبة من أحد الزوجين تجعله يفقد الثقة في الآخر طوال العمر.
قال الشاعر:
عود لسانك قول الصدق تحظ به * * * إن اللسان لما عودت معتادُ
والصدق لا يكون في الأقوال وفقط؛ إنما يكون في الأقوال والأفعال والمشاعر.
(1) الذهبي: الكبائر 172.
(2) سورة النساء: 19.
(3) سورة التوبة , الآية: 119.
(4) (متفق عليه) .
(5) مسند الإمام أحمد ج3/ 447).