وهذا المحملُ عنده أوجز وأقوى من تلك الوجوه المحكومة بالعطف وغيره، [1] غير أن هذا ليس جاريًا عند الفخر وأبي حيان والسيوطي، وقد رد عليه بمثل ما رد به الاخرين وبأمور أُخر، وردودهم تضمها ثلاثُ نقاطٍ هي:
-كثرة الاضمار فيه والأولى إضمار ما جرت العادةُ عليه في القرآن والتزامُه والاخذُ به.
-ما أُثر عن ابن عباس لا يتوافق وذلك فقوله: قيله قيلُ: يارب.
-مخالف لظاهر الكلام (يارب) وما بعده متعلّق بقيله، وهو من كلاِمه عليه السلام، وإذا جُعل - على قول أبي حيان والسيوطي ـ (إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) ، [2] جواب قسم كان من إخبار الله عنهم، وكلامه في قيلِه والضمير فيه للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، وهو المخاطب بقوله؛ (فاصفح عنهم) [3] وهذا وجه مخالفةِ الظاهرِ عندهما.
واذا أردنا بيان هذا الأمر فإنا نرى أن الحق مع الزمخشري وهو مسنودٌ بحجج المفسرين وأقوال النحويين بما لا يقبل شكًا في قوله، فقد روى عن مجاهد في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {وَقِيلِهِ يَارَبِّ أن هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ} [4] قال فأخبر الله (- عز وجل -) عن محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، وقال قتادة قال: قول النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ؛ (إن هؤلاء قوم لايؤمنون) ، وكذلك الأمر عند الطبري، [5] ومن العجيب أن الفخر الذي ضاق ذرعًا بكثرة الإضمارَ في تقديرات الزمخشري يقر الإضمار في كلام الله في موضع آخر، ونص قوله:"والاضمار في كلام الله ليس بغريب" [6] فهو مجيزٌ مانعٌ وهذا أمرٌ متدافع، والأقوال جميعها تبين سلامةَ أحكام الزمخشري، هذا من وجه، ومن وجه آخر فإن التعقيد النظري محققٌ لأقواله في القسم خصوصًا في جملة جواب القسم، وذلك أن جملة الجواب محكومةٌ بأمرين هما:
-تصدّرُها بلامٍ مفتوحة اسميةً كانت الجملةُ أم فعليةٌ.
(1) ينظر: الكشاف: 4/ 268، الفخر: 27/ 234، البحر: 8/ 30، الدر: 9/ 611 - 612، الاشباه: 7/ 100، نحو القراء الكوفيين: 114، التوجيهات: 1/ 510.
(2) الزخرف: 88.
(3) الزخرف: 88، وينظر: الفخر: 27/ 234، البحر: 8/ 30، الاشباه: 7/ 100.
(4) الزخرف: 88.
(5) ينظر: الطبري: 25/ 106، إعراب النحاس: 3/ 104.
(6) الفخر: 6/ 34.