وإذا حققنا هذا الأمر فإن العطف في التركيب لا يعني تحديدًا لما سُؤِلَ عنه في النص فالمسؤول عنه ـ في البداية ـ هو القتالُ، ولكن ما ذهب إليه القائلون بعطف ... (المسجد) على (الشهر) هو من باب تخريج ظاهرة الخفض في (المسجد) ، فلذلك ذهبوا إلى عطفه على الشهر لمحاذيرَ معروفةٍ، ولو عرفنا أن ابن مالك يجيز الفصل بين المتعاطفين بلا استثناء وأن ابن هشام يرى أن الفصل ـ الاعتراض ـ إفادةُ أمرين هما التقوية، والتحسين، [1] وعلى هذين الرأيين نرى الاتي:
-تحقق العطف فيهما.
-سلامة المعنى في التركيب.
وذلك لأنّ موازنةً ومماثلةً بين التركيبين متعاطفين تبيِّنُ بجلاءٍ صحةَ ذلك وإمكانَهُ، لأن كلّ ما في التركيب يشيرُ إلى تلك المماثلة بلا أدنى شكٍّ، ويظهر ذلك على النحو الاتي:
-يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير.
-يسألونك عن المسجد الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير.
فالقتال مسؤول عنه في الزمن والمكان، ولا أظن أن (المسجد الحرام) ، ـ المكان المجلّ عندهم ـ لا يستغرقه زمن الأشهر الحرم، فهي تحلّ في حدها الزمنيّ على كل الأمكنة بما فيها المسجد الحرام، ولأثرة ذلك المكان كان أحرى باستعظام القتال فيه في أي شهر فما بالنا بالأشهر الحرم؛ ولذلك خفضه على الشهر الحرام أمرٌ متعيّنٌ دلالةً وتركيبًا وشرعًا.
وذهب العكبريّ إلى أنّ خفضه متعلقٌ بمحذوفٍ دلّ عليه المصدر (صدّ) ويوضحه قولُه (- سبحانه وتعالى -) : {هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [2] وتقديره: ... (ويصدونكم عن المسجد الحرام) ، [3] وقد ردّ هذا القول أبو حيان والسمين بعدم لزوم حذف حرف الجر وإبقاءِ عمله، وأكدا أن الحذف في صور ليس هذا منها، واستدلا بقول الشاعر:
(1) ينظر: مغني اللبيب: 2/ 386، 394، الهمع: 5/ 277.
(2) الفتح: 25.
(3) ينظر: التبيان للعكبري: 1/ 175، البحر: 2/ 155 - 156، الدر: 2/ 397، القرآن الكريم وآثره، د. مكرم: 299، الحلقة المفقودة: 348.