والاخرى استقباح حدوث القتال في (الشهر الحرام) و (المسجد الحرام) [1] فالحكم به اقتراني ثابتٌ.
ويمكننا أن نجد مخرجًا نحويًا مقبولًا لقول الفراء محكومًا بالقواعد النحوية في نظائر هذه، وذلك أن كل متماثلين ابتداءً وخبرًا أو معطوفًا ومعطوفًا عليه أو غيرهما من التوابع يُقارنُ التابع بالمتبوع ليس في وجوه الإتباعِ العشرةِ فقط، بل في التابع ـ البدل ـ إن سَقَطَ منه المتبوع، وذلك على النحو الاتي:
-يسألونك عن (الشهرِ الحرامِ قتالِ فيه) ، وهو المتبوع الأصليّ.
-يسألونك عن (المسجد الحرام قتال فيه) ، وهو التابع الشبيه.
وقد أشار إلى احتمال هذه التقريرات سيبويه وغيره من النحويين، [2] وعليها يكون قول الفراء مقبولا ًتقديرًا وحكمًا حال كون الحدث مقترنًا بالمكان المتعيِّنِ المحدودِ أيضًا.
وهنالك قولٌ آخر بعطف المسجد على الشهر الحرام، نسبه النحاس إلى مجهولين بقوله (قيل) وقد ذهب العكبري إلى تضعيف هذا القول لأن السؤال ليس عن (الشهر الحرام) فهو ليس في موضع شكّ بل هم يعظمونه، ولكن شكّهم كان منصبًا على القتال في (الشهر الحرام) لأمرين هما؛ أن القتال فيه مجلبةٌ للإثم، والأخر أن المشركين قد عيروهم بذلك، فسألوا عن القتال في (الشهر) لا عن (الشهر) ، [3] وقد ذهب أبو حيان والسمين إلى تعليل العطف ثم رده، فتعليلهما له أن السؤال كان عن القتال عينه لا عن (الشهر الحرام) ، فسؤالهم كان عن (قتال) في (الشهر الحرام) ، و (قتال) في ... (المسجد الحرام) ، فالأمر منصب على القتال، واحتمل أبو حيان أن يكون (صد) مبتدأً وخبره محذوفًا لدلالةِ خبر قتال عليه، فيكون (وصدُّ عن سبيل الله وكفرٌ به كبيرٌ) فاكتمل الموصول وجملته، ولكنه عاد مستبعدًا العطفَ على (الشهر) لأنه - كما يراه - متكلفٌ جدًا ويبعد عن نظم القرآن والتركيب الفصيح. [4]
(1) ينظر: م. ن الاخير.
(2) ينظر: الكتاب: 1/ 75، حاشية الصبان: 3/ 123.
(3) ينظر: إعراب النحاس: 1/ 259، الفخر: 6/ 34، التبيان للعكبري: 1/ 175، البحر: 2/ 155 - 156، الدر: 2/ 396 - 397، القرآن الكريم وآثره، د. مكرم: 299، الحلقة المفقودة: 347.
(4) ينظر: البحر: 2/ 155 - 156، الدر: 2/ 397.